د. محمد فؤاد يكتب: حرب الإبادة الإسرائيلية ضد الصحافة
أين هو الضمير الإنساني؟ أين المواثيق الدولية التي صُمّت بها آذاننا عن "حرية التعبير"؟ إن صمت العالم اليوم ليس إلا شراكة في الجريمة، وتواطؤاً مخزياً يمنح القاتل رخصة لتمزيق أجساد الصحفيين وتحويل كاميراتهم إلى حطام

صورة تعبيرية من وحي المقال
وداعاً محمد وشاح وداعاً لضمير العالم
سقطت الأقنعة، ولم يبقَ إلا وجه الموت القبيح الذي يمارسه الاحتلال الإسرائيلي في أبشع فصوله. بالأمس، ارتقى الزميل محمد وشاح شهيداً، ليلتحق بقافلة النور التي لم تتوقف عن المسير نحو الخلود منذ بدء هذا العدوان البربري. لم يكن محمد مجرد رقم، بل كان صوتاً يرفض الصمت، وعيناً ترى ما يخشى العالم رؤيته. إننا إذ ننعي هذا الفارس الذي ترجل عن صهوة كلمته، نعلن إدانتنا الصارخة والمدوية لهذه الممارسات النازية التي تستهدف إطفاء شاشاتنا وكسر أقلامنا.
أيها العالم الصامت صمت الأحجار؟!
أين هو الضمير الإنساني؟ أين المواثيق الدولية التي صُمّت بها آذاننا عن “حرية التعبير”؟ إن صمت العالم اليوم ليس إلا شراكة في الجريمة، وتواطؤاً مخزياً يمنح القاتل رخصة لتمزيق أجساد الصحفيين وتحويل كاميراتهم إلى حطام. إن دماء محمد وشاح ومن سبقه من الشهداء ستبقى لعنة تطارد القتلة، ووصمة عار على جبين كل من صمت أو برر أو خذل.
د. محمد فؤاد يكتب: همجية جنكيز خان ورعونة ترامب
د. محمد فؤاد يكتب: الأقصى يستغيث
محمد فؤاد يكتب: اللحظة التي توقفت فيها أنفاس التاريخ
حرب التصفية الممنهجة: إحصائيات الموت
لم يكن استهداف الصحفيين في هذه الحرب محض صدفة أو “أضراراً جانبية”، بل هو سياسة اغتيال ممنهجة تهدف إلى عزل غزة عن العالم.
أرقام مفزعة: منذ السابع من أكتوبر 2023، سجلت نقابة الصحفيين الفلسطينيين والمكتب الإعلامي الحكومي أرقاماً غير مسبوقة في تاريخ النزاعات الحديثة. فقد تجاوز عدد الشهداء من الصحفيين والعاملين في قطاع الإعلام 262 شهيداً (حتى لحظة ارتقاء محمد وشاح)، وهو رقم يفوق إجمالي عدد الصحفيين الذين قُتلوا في الحرب العالمية الثانية أو حرب فيتنام خلال سنوات طويلة.
تدمير المؤسسات: لم يكتفِ الاحتلال بالأرواح، بل دمر أكثر من 100 مقر إعلامي بشكل كلي أو جزئي، في محاولة لإحداث تعتيم كامل.

حكايات معمدة بالدم خلف العدسة وأمام الرصاص
لم تكن أسماء الشهداء الـ 261 مجرد أرقام تُتلى في النشرات، بل كانت أحلاماً فلسطينية بترها الرصاص، وحكايات بيوتٍ هُدمت فوق رؤوس أصحابها لأنهم رفضوا بيع الضمير. هؤلاء هم “شهداء الكاميرا” الذين لم يسقطوا، بل صعدوا ليصبحوا هم الخبر بعد أن قضوا حياتهم في نقله:
محمد وشاح
“الشهيد الشاهد” ووجع الشمال: لم يكن محمد مجرد مراسل، كان نبض غزة المحاصرة بالجوع والموت. في أيامه الأخيرة، امتزج حبر قلمه بدموع عوزه، فكان ينقل للعالم مأساة الأمعاء الخاوية وهو يعانيها، ويصف النزوح وهو يعيشه. لم يثنه الجوع ولا التهديد، بل ظل مرابطاً في “ميدان الشرف” حتى طالته يد الغدر الإسرائيلية، ظناً منهم أن اغتيال وشاح سيقطع لسان الشمال ويصمت صوت الحق.. لكن دمه صار هو الرواية الأصدق.
وائل الدحدوح.. “جبل الصبر” وصمود “المعلش”:
في غزة، لا تكتفي إسرائيل بقتل الصحفي، بل تُمعن في تعذيبه عبر تصفية عائلته. وائل الدحدوح، الأيقونة التي كسرت جبروت المحتل بصبرها، ودّع زوجته وفلذة كبده “محمود” وابنته وحفيده، ثم عاد ليُفجع بكرسي روحه ابنه البكر الصحفي حمزة الدحدوح. وقف وائل أمام الكاميرا مثخناً بطعنات الفقد، وبسترة صحافة مثقوبة بالوجع، ليطلق صرخته المدوية “معلش”؛ الكلمة التي تحولت إلى صفعة وجودية على وجه الجلاد، معلنةً أن الرسالة لن تتوقف ولو كلف ذلك إبادة العائلة بأكملها.
شيرين أبو عاقلة.. “الطلقة الأولى” والجرح الذي لا يندمل:
تبقى شيرين هي “الجريمة المؤسسة” التي كشفت وجه الاحتلال القبيح قبل هذه المحرقة. رصاصة القناص التي استقرت في رأسها تحت خوذة الصحافة كانت بمثابة “الضوء الأخضر” العالمي للقاتل بأن دم الصحفي الفلسطيني “مباح”. هي الحاضرة في كل غارة، والملهمة لكل زميل يرتدي سترته اليوم وهو يدرك أن العالم الذي صمت على اغتيال شيرين، سيصمت على ذبحه هو الآخر.

سامر أبو دقة ورشدي السراج.. حين تُغتال “عين الجمال”
بجمالية سينمائية، وثق رشدي السراج بؤس المخيمات فصار جزءاً من ترابها. أما سامر أبو دقة، فقصته تمثل ذروة “السادية النازية”؛ حيث تُرِك ينزف لساعات طويلة تحت وطأة الألم، ومنع الاحتلال وصول سيارات الإسعاف إليه في مسرح جريمة حي. سقط سامر وهو يحتضن كاميرته، في مشهد يجسد التلذذ الإسرائيلي بقتل الحقيقة ببطء، وتصفية الشاهد وهو يصارع الرمق الأخير.
آيات خضورة ودعاء شرف.. صوت النساء في مهب النيران:
لم تغب المرأة الفلسطينية عن “محرقة الصحافة”؛ آيات خضورة التي ودعت العالم بمقطع فيديو “أخير” يقطر خوفاً وصموداً، ودعاء شرف التي استهدفت مع طفلها، كلهن أثبتن أن التغول الإسرائيلي لا يفرق بين صوتٍ ناعم وقذيفةٍ غادرة، وأن ضريبة الحقيقة في غزة تُدفع من حليب الأطفال وأحلام الأمهات.
الإدانات الدولية والإقليمية: ضجيج البيانات وعجز الأفعال
رغم فداحة الجرم وتوالي المجازر، بقيت المواقف الدولية حبيسة “مربعات التنديد”، وعجزت عن التحول إلى إجراءات رادعة تُلجم آلة القتل. لقد انقسمت ردود الفعل بين صرخة حق أخلاقية وبين “خجل دبلوماسي” يفتقر للإرادة السياسية:
الاتحاد الدولي للصحفيين:
وصم ما يجري في غزة بـ “المجزرة التاريخية غير المسبوقة”، قاطعاً بأن استهداف الصحفيين ليس “خطأً ميدانياً”، بل هو جريمة حرب مكتملة الأركان تستوجب المحاسبة الفورية.
منظمة “مراسلون بلا حدود”:
لم تكتفِ بالشجب، بل سلكت المسار القانوني عبر إيداع سلسلة من الشكاوى لدى المحكمة الجنائية الدولية، مؤكدة بالأدلة القاطعة تعمد جيش الاحتلال تصفية الإعلاميين لكسر سردية الحقيقة.
المحيط العربي والنقابي:
انتفضت جامعة الدول العربية ومعها نقابات الصحفيين في مصر والأردن ولبنان في جبهة واحدة، معتبرة أن هذه الاغتيالات هي “حملة تطهير للشهود”؛ يسعى من خلالها الاحتلال لغسل جرائمه بدم من يوثقونها.
الأمم المتحدة:
في توصيف صادم، أعرب خبراء حقوق الإنسان عن ذهولهم من كثافة الاستهداف، مشيرين إلى أن المواثيق الدولية التي تمنح الصحفي حصانة المدني قد سُحقت تماماً تحت مجنزرات الاحتلال، في استهانة تامة بالمنظومة الحقوقية العالمية.
لماذا يرتعد الاحتلال من الكاميرا؟
لم يعد الصحفي في غزة مجرد ناقل للأحداث، بل تحول بدمه وصموده إلى “مقاتل بالحقيقة” يواجه أعتى ترسانة عسكرية بسترته الزرقاء. يدرك الاحتلال بيقين المهزوم أن انكساره الحقيقي ليس في أزقة المخيمات فحسب، بل في “حرب الرواية” التي فضحت زيف سرديته أمام العالم؛ لذا كان القرار الإسرائيلي واضحاً: “اغتالوا الشاهد.. تنجو الجريمة”.
محو أدلة الإبادة وتصفية “القرائن الحية”:
يمارس الاحتلال تغولاً وحشياً لإخفاء معالم جرائمه؛ فهو يعلم أن كل كادر يصوره صحفي، وكل صرخة طفل يوثقها مراسل، هي مذكرة اعتقال مستقبيلة تُطارد قادته في المحاكم الدولية. الاغتيال هنا ليس قتلاً لجسد، بل هو محاولة بائسة لدفن “الأدلة الجنائية” التي تفضح نازية هذا العدوان.
الإرهاب المعنوي وكسر “حائط الصمود”:
يهدف استهداف الرموز الإعلامية والقامات الصحفية إلى إحداث صدمة نفسية لدى الشارع الفلسطيني، وإشعار الشعب بأنه “مكشوف” بلا لسان ينطق بوجعه، ومعزول في “صندوق أسود” بعيداً عن أعين العالم، في محاولة لكسر إرادة الصمود خلف ستار من التعتيم.
تحييد “الخطر الاستراتيجي” للصورة الحية:
مع تهاوي الرواية الإسرائيلية في الغرب وتبدل الرأي العام العالمي، بات الاحتلال يرى في كل “هاتف ذكي” قنبلة موقوتة، وفي كل “سترة صحافة” هدفاً عسكرياً يجب تحييده. لقد استشاط الاحتلال غضباً من تحول الحقيقة إلى “تريند” عالمي يحاكمه في الشوارع والميادين؛ فقرر تحويل مهنة الصحافة إلى “حكم بالإعدام” لكل من يجرؤ على كشف الحقيقة.
المجد والخلود لشهداء الصحافة.. والحرية لفلسطين.






