مقال بوك
محمد محمد مستجاب
محمد محمد مستجاب

مكاوي سعيد فنجان قهوة بطعم المحبة

هكذا تحول هذا الروائي من كتابة على الورق إلى كتابة من لحم ودم ومعاناة وحب وذكريات وحكايات، وهكذا خرجت شخصياته تمرح وتتجول وتبكي وتحمل النعش وتتقبل العزاء وتصرخ خلف جثمانه وهي تودعه،

مشاركة:
حجم الخط:

وجع حقيقي طرق أبواب قلبي، وحزن عميق دغدغ أجهزة جسدي، وحاصر الغمام والتراب والزحام أشعة الشمس الهزيلة التي تشرق عليّ، وحاصرت الكلوبات والأدخنة وأبواق السيارات القمر ولم تعد تناوشه بنات الحور أو نجمات تتألق ثم تخفو، أو شهاب كاسح يزلزل السماء.
لم يداهمني الوجع بهذا الشكل منذ رحيل والدي، ولم أر هذا الحزن يتغلغل في نفوس من حولي منذ عزاء كل من عمنا خيري شلبي والشفيف علاء الديب، ولم أشاهد الدموع تترقرق في عيني بهذا الشكل منذ رحيل أستاذنا إبراهيم إصلان.

رحيل بلا موعد 

كل ذلك حاصرني فور سماعِ نبأ رحيل الروائي مكاوي سعيد، فلم يكن مكاوي سعيد مجرد روائي أو قاص، نحبه أو نحب أعماله ونتحدث عنها ثم نطويها وننساها، ولم يكن هو الشخص الذي نلتقي به كلما مررنا على منطقة وسط البلد، أو كلما جلسنا نستريح على مقهي زهرة البستان أو تناقشنا في ندوة في إتيلية القاهرة.
فقد كان مكاوي سعيد ملك للجميع، كما كان من ذكرتهم ملك للجميع ايضًا، لذا جاء رحيله الهادي والموجع، بهذا القدر من الدهشة وعدم القدرة على التصديق.

هل نلتقيه على البستان؟

بالتالي فنحن – جميعنا – ننتظر أن نلتقي به في أحد منعطفات شوارع وسط البلد، او نراه يبتسم لنا في أحدي المقاهي، أو يدعونا لاحتساء كوب شاي على حسابه.
وهذا التألق الموجع، يجعلنا نبتهج أنه رحل بهذا السخاء الإنساني الذي نبحث عنه في بعض الأشخاص، حب حقيقي دون زيف ودون إدعاء، حتي ولو كانت معرفتنا به مجرد تواصل على الفيس بوك أو عبر الهاتف، فنحن نعلم أنه يتابع ويقرأ ويجتر كل ما تقع عليه يعنيه ويمسكه بيده، وكان يعلم أن لا أمل له إلا الكتابة، وأن أي وجع لن ينقذنا منه إلا الكتابة، ولن ترسم على وجوهنا أي إبتسامة إلا بسبب الكتابة.

شخصيات رواياته تودعه 

وهكذا تحول هذا الروائي من كتابة على الورق إلى كتابة من لحم ودم ومعاناة وحب وذكريات وحكايات، وهكذا خرجت شخصياته تمرح وتتجول وتبكي وتحمل النعش وتتقبل العزاء وتصرخ خلف جثمانه وهي تودعه، كما تحول من سبوقه سواء كان مستجاب الأب أو خيري شلبي أو ابراهيم اصلان أو علاء الديب- وغيرهم.
وهذا ليس صعبًا على مكاوي سعيد، ولكن صعبًأ علينا نحن – الذين نريد أن نحيا ونتعارك ونأكل ونشرب بالكتابة، أن نصير كلمة في سطر، وأن ننام بين سطرين، وأن نتقافز بين شطور بيوت الشعر، وأن تجلس ونتمدد ونستريح في بيوت القصائد القوية، وأن تغلفنا الورقة البيضاء عندما نحزن، وأن تصبح تلك الورقة بساط الريح عمنا نفرح أو عندما تأتي لنا مكافأة أو نحصل على جائزة.

تغريدة البجعة 
تحول صاحب “تغريدة البجعة” إلى نبؤءة حقيقة في وقت لم يعد فيه نبوءات، وتحولت كتابته إلى شخص حقيقي لا ينفصل عنها، فما يقوله لك سوف تجده في روايته أو مقالاته أو شخصياته، أو مكانه الذي حفره بطريقته وبالتالي صنع لنا ” فرجة” كي نري ونشاهد ونتعلم ونمرح ونكتب ايضًا.

ولتصير وسط البلد هي المكان الذي نقشه في تعاريج جماجمنا، ويجعل منها مكان ذو رائحة وذو تاريخ وذو حلم خاص بمكاوي سعيد وحده، وبالتالي لن يستطيع أحد ان يفسره أو يفسر رحيله بتلك الطريقة، أو يفسر هذا الوجع الذي ملء قلوبنا.
هكذا تحول مكاوي سعيد في ليلة عزاءة بمقهي زهرة البستان، فلم يكن يليق به أن يتم العزاء بين كفوف ودموع المعزيين ثم يرحل كل منا، بل كان العزاء في مكانه، وبيته، وقعدته ووسط أهله وناسه ومريده، تحول العزاء إلى رسالة حب، وتحولت أقداح القهوة إلى أقداح محبة، وتحولت آيات الذكر الكريم، إلى قصيدة آلهية خاصة بمكاوي سعيد وحده، وتحولت صورته المعلقة في السرادق، إلى ابتسامة كبيرة تحتضن كل من جاء، وكل من مر بالمكان، وكل من شعر بهذا الفقد في ذاكرة الأمة المصرية والعربية.
فلم يعد أحد يصدق أن هؤلاء يرحلون، ولم يعد أحد يتصور أن يمر دون أن يشاهدهم في مكان عام أو لقاء خاص، ولن يستطيع أحد أن ينسي كلمة أو سباب أو مزحة لأحدهم، هؤلاء الذي جلعوا من أيامنا الثقيلة شيء آخر بكتابتهم، وأن تتحول حياتهم إلى كتابة حقيقة، عن أشخاص حقيقيون في زمن غير حقيقي، والغير الحقيقي هنا هو عدم تصدقنا رحيلهم.
هذه هي المحبة التي يتركها هؤلاء البسطاء العظماء، وهكذا يجب أن تعلمنا الكتابة، أن نحيا بها، ونحارب بها، ونموت بها، وندفن بها ايضًا مثلما حدث مع ” مكاوي سعيد”

شارك المقال: