مقالات
مصطفى السعيد
مصطفى السعيد

كاتب صحفي

مقامرة ترامب الأخيرة في إيران

هنا تتلاقى أحلام ترامب مع نتنياهو، المرعوب من تنامي قوة إيران، رغم الحصار الطويل، وعمليات الإستنزاف وحملات الشيطنة، فهل تنجح الحملة

مشاركة:
حجم الخط:

 

خاص آخر الكلام 

عقيدة قتالية أمريكية جديدة تستند إلى دين قتالي لا يلتفت إلى الدبلوماسية، ولا استرضاء المجتمع الدولي، وإنما بالصدام والحسم والشراسة في القتال، وأن يؤمن الجنود بدين القوة، لأنه الدين الحق، الذي لا يرضى بالتكيف أو المساومة.
هذه العقيدة ليست مقتطعة من أسامة بن لادن ولا الجولاني، وإنما جاءت على لسان وزير الحرب الأمريكي بيت هجسيث، وتتلاقى مع أطروحات ترامب، الذي أعلن عدم اعترافه بالقوانين الدولية، وقال “إن أخلاقي هي القانون الدولي”، ونحن تعرفنا على بعض جوانب أخلاق ترامب، ليس فقط ما يتبادر إلى الذهن عن فضائح إبستين، وإنما أيضا ما قاله عن عودة عقيدة “دونرو”، التي تمنحه نصف العالم الغربي، وعندما اختطف الرئيس الفنزويلي مادورو قال “أنا حاكم فنزويلا”، ثم أعلن امتلاكه جرينلاند، ونيته ضم كندا.

إن السلوك الأمريكي المتوجه بسرعة نحو الحروب ليس حالة نفسية فردية أصابت ترامب، وإنما مخاوف “الإمبراطور الأخير”، الذي يرى بلاده تغوص في مستنقعات أزمات إقتصادية غير قابلة للعلاج، وعرش يتهاوى بلا أمل في الإنقاذ، والتي كان يمررها كل رئيس أمريكي إلى من يليه وحزب إلى منافسه، بعد أن جرعة من المسكنات، تترك الداء وتخفي الأعراض، وأهم تلك الأعراض حجم الدين العام الذي اقترب من 40 ترليون دولار، ويزيد بواقع ترليون دولار كل ثلاثة أشهر، وتفوق فوائده أكثر من ترليون دولار، وعلى أمريكا أن تسدد هذا العام 11 ترليون دولار من فوائد وأقساط، ولن تجد بعد الآن من يقرضها، فقد خسر ترامب الحرب التجارية، التي اعتقد أنها الدواء السحري، فزادت الطين بله، وأراد أن يوجه الإتهام إلى المهاجرين لأنهم الفئة الأضعف، ولم يحصد إلا المزيد من الغضب، فعاد إلى الإفراط في العقوبات، واستخدام الدولار كسلاح، فأنهك الدولار، وانتقل إلى غرفة الإنعاش من كثرة ما تعرض له من عمليات طباعة مفرطة.
لم يعثر ترامب على ورقة قوة أخرى غير الجيش الذي ينفق نحو ترليون دولار سنويا، بأكثر مما تنفق الدول السبع الكبرى مجتمعة، ورآه الدواء الأخير، فكانت عملية اختطاف مادورو، لكنها لم تكن مقنعة رغم الفيديو المبهر للقوات الأمريكية، فلم يجد إلا بترول ثقيل للغاية، يحتاج إلى استثمارات ضخمة، وسنوات طويلة، وشعب يمكن أن يتخلى عن ثروة بلاده، فعاد خائبا، لكنه اختار إيران هذه المرة، بما تمتلكه من نفط جاهز، وثاني أكبر احتياطي في الغاز، وموقع مبهر، يستطيع من خلاله ابتزاز الصين وروسيا والهند، دول البريكس الثلاث التي تهدد عرشه، لكن عليه أن يخوض معركة صعبة للغاية، وهنا تتلاقى أحلام ترامب مع نتنياهو، المرعوب من تنامي قوة إيران، رغم الحصار الطويل، وعمليات الإستنزاف وحملات الشيطنة، فهل تنجح الحملة العسكرية الجديدة ضد إيران؟

لقد خسرا حرب ال12 يوما، رغم أنها كانت مفاجئة، وبدأت بعمليات مخابراتية اغتالت عددا من أبرز قادة وعلماء إيران، وضربات جوية دمرت الكثير من الأهداف العسكرية والنووية، لكن سرعان ما استعادت إيران زمام المبادرة، وأمطرت الكيان بالصواريخ الفرط صوتية، التي كانت الأقوى في تاريخ الكيان، واستغاث نتنياهو بترامب ليوقف إطلاق النار.
الحملة هذه المرة لها دوافع أقوى، فهي ستغسل فضائح إبستين، وتطيح بالنظام الإيراني، لوضع نجل الشاه الموافق على كل التنازلات سلفا، تقسيم إيران، ومنح البترول والغاز لأمريكا، والتبعية التامة، ليتمكن ترامب من قطع “الحزام والطريق” الصيني، وممر شمال جنوب الروسي، ويطبق على كل منافسيه، ويستنشق الدولار رائحة غاز ونفط إيران، لينتعش من جديد، بينما نتنياهو يعيث في المنطقة طولا وعرضا، فالكل سينحني، وإلا لقي مصير مادورو أو النظام الإيراني.
هذه أهم ملامح خطة ترامب- نتنياهو التي ناقشا تنفيذها، والأساطيل والقواعد جاهزة بأكبر حشد من الطائرات والصواريخ، لكن هذا الحلم الجميل يمكن أن ينقلب إلى كابوس مرعب إذا صمدت إيران، التي تبدو عصية على الكسر، بما لديها من ترسانة صواريخ ومسيرات وغواصات ومدن عسكرية تحت سلالسل الجبال، وتعززت بتكنولوجيا وأسلحة صينية وروسية وكورية شمالية، فالحرب هذه المرة ليست كغيرها، فإما أن تنهض أمريكا من جديد، كما يتصور ترامب، وإما فقدان آخر عناصر القوة والهيبة.

شارك المقال: