محمود عبداللطيف يكتب: لبنان ليس غزة القادمة؟
ما حدث اليوم هو أكبر دليل على أن نظرية "الأطراف الآمنة" التي يبيعها الاحتلال للإعلام العالمي لم تكن سوى غطاء لخطة ممنهجة تهدف إلى تفتيت المقاومة، وابتلاع الأرض، وفرض أمر واقع جديد على المنطقة.

صورة تعبيرية للمقال
إسرائيل تعلن الحرب من بوابة “اليوم الأسود” والعرب في قفص الاتهام
كشف الأقنعة
لم تنتظر إسرائيل كثيراً لإزالة القناع الذي طالما ادعت من خلفه أنها تبحث عن “أمنها” و”استقرار حدودها”.
اليوم الأسود الذي شهده لبنان لم يكن مجرد حلقة في مسلسل التصعيد، ولا رداً على استفزاز آني.
كان، وبكل وقاحة، كشفاً صريحاً لخريطة النوايا الإسرائيلية: لبنان جزء من مشروع التوسع والسيطرة، تماماً مثل غزة.
ما حدث اليوم هو أكبر دليل على أن نظرية “الأطراف الآمنة” التي يبيعها الاحتلال للإعلام العالمي لم تكن سوى غطاء لخطة ممنهجة تهدف إلى تفتيت المقاومة، وابتلاع الأرض، وفرض أمر واقع جديد على المنطقة.
د. محمد الغمري يكتب: اختبار لبنان
الهوية العربية بين التحولات العالمية وإعادة تشكيل الدور الإقليمي
محمود عبد اللطيف يكتب: أما السيادة أو الفوضى
د. محمود عبد اللطيف يكتب: تفتيت المنطقة بالتطبيع!
اليوم الأسود: تفاصيل الدليل
ليس مهماً هنا أن نعيد سرد تفاصيل العدوان لحظة بلحظة، فالصور ترسم بنفسها معنى الإجرام. المهم هو قراءة الرسائل التي أرسلها الاحتلال بقذائفه وصواريخه:
الرسالة الأولى لإسرائيل إلى اللبنانيين: “أنتم وحدكم، مقاومتكم لن تنفعكم، وجيشكم لا يستطيع حمايتكم”. والثانية إلى المقاومة: “سنطاردكم في أي مكان، وسنجعل لبنان كله غرفة عمليات مكشوفة”.
والثالثة إلى العالم: “هذه حربنا مع إيران، ولبنان مجرد ساحة”.
وهذا هو الجوهر. إسرائيل لم تعد تخفي أن ما يجري على حدودها الشمالية ليس سوى تمهيد لحرب ثنائية واسعة مع إيران.
لبنان، الذي يدفع ثمن أرضه ودماء أبنائه، يتحول في الاستراتيجية الإسرائيلية إلى “غزة الثانية” ليس احتلالاً كاملاً فقط، بل منهجاً: تدمير البنية التحتية، تجويع المدنيين، وتهجير السكان تحت قصف “القوة الساحقة”.
من يتابع لغة القادة الإسرائيليين في الأيام الأخيرة يسمع بوضوح نفس التهديدات التي سمعها سكان غزة قبل أشهر: “سنعيد عقارب الساعة إلى الوراء”، “سنغير وجه المنطقة”.
لبنان ليس غزة؟ بلى… في العقل الإسرائيلي هو كذلك
قد يقول قائل: “لبنان دولة ذات سيادة، ولها جيش، ومقاومة مسلحة، وتحالفات إقليمية”. وهذا صحيح، لكنه لا يمنع إسرائيل من السعي لتطبيق سيناريو غزة بالأدوات المتاحة.
الفارق أن لبنان أكبر وأعقد، لكن الاحتلال يتعامل معه كمجموعة أهداف مفتوحة. الاستهداف الممنهج للأحياء السكنية، والبنية التحتية، والمرافق الطبية، والصحفيين، ليس “خطأً تكتيكياً” ولا “رداً عشوائياً” – بل هو أسلوب حرب عقابي جماعي تعتمد عليه إسرائيل منذ عقود.
وغزة كانت النموذج الأكثر تطرفاً، واليوم يُجرى اختباره على لبنان.
التمهيد لحرب إسرائيل-إيران: لبنان شعلة الاشتعال
الاحتمال الأكثر إثارة للقلق أن هذا اليوم الأسود ليس نهاية لعملية عسكرية، بل هو الشرارة التي تمهد لحرب إقليمية مفتوحة بين إسرائيل وإيران. لبنان، وحزب الله كقوة إقليمية، هما الوكيل الذي تريد إسرائيل تحييده قبل أي مواجهة مباشرة مع طهران.
بمعنى آخر، ما يحدث الآن هو “مرحلة ما قبل الحرب” – قطع الرأس قبل ضرب الجسد. ومن يعتقد أن إسرائيل ستتوقف عند حدود معينة، فعليه أن يتذكر أن كل “خط أحمر” تجاوزته في السنوات الأخيرة لم يعد موجوداً.
إيران، من جانبها، تعرف أن انهيار حزب الله أو تحييده يعني خسارة أعمق أذرعها وأكثرها فاعلية.
لذلك، فإن استمرار التصعيد قد يجرها إلى مواجهة مباشرة لم تكن تحسب لها حساباً اليوم.
وهنا يكمن الخطر: لبنان يتحول سريعاً من ساحة حرب بالوكالة إلى بؤرة اشتعال لحرب إقليمية شاملة، وأول ضحاياها سيكون المدنيون اللبنانيون مرة أخرى.
العرب في قفص الاتهام: أين الموقف الرجولي؟
وسط هذا الدمار الممنهج، وهذا التمهيد لحرب لا تعرف حدودها، يبرز السؤال الأكثر إيلاماً: أين العرب؟ ماذا قدمت الجامعة العربية سوى بيانات الاستنكار التي أضحكت الموتى؟
أين القمة العربية الطارئة؟
أين آلية الردع المشترك؟
أين سلاح النفط والاقتصاد والقرار السياسي الموحّد؟
منذ عقود والعالم العربي يعاني من حالة انقسام وتشرذم لم تخدم سوى إسرائيل.
اليوم، أصبح العيب ليس فقط في التخاذل، بل في التطبيع الذي حوّل الخصم التاريخي إلى شريك.
لا يمكن لأي عربي أن يدّعي النخوة أو الرجولة وهو يرى لبنان يُضرب بالصواريخ ويُتهجّر أهله، بينما ترفرف أعلام الاحتلال في عواصم عربية بحجة “التطبيع من أجل السلام”.
الموقف الرجولي الذي نتحدث عنه ليس كلاماً إنشائياً، بل إجراءات واضحة ومباشرة:
· قطع أي شكل من أشكال التطبيع مع كيان يرتكب جرائم حرب مكشوفة.
· تفعيل اتفاقيات الدفاع المشترك العربي، التي ظلت حبراً على ورق لأكثر من سبعين عاماً.
· إرسال مساعدات عسكرية وطبية ولوجستية فعلية إلى لبنان، ليس عبر المنظمات الدولية فقط، بل عبر تحرك عربي جماعي.
· الضغط دبلوماسياً وسياسياً واقتصادياً بكل الوسائل، باستخدام أوراق القوة العربية: الغاز، البترول، الاستثمارات، والقدرة على تعطيل أي تقدم إسرائيلي في المحافل الدولية.
ولو مرة واحدة في حياتهم، فليتحد العرب حول قضية وجودية. فإن لم يكونوا مع لبنان اليوم، فمن سيكون مع عواصمهم غداً؟ إن إسرائيل لا تخطط لاحتلال لبنان فقط، بل تعيد رسم الشرق الأوسط وفق أهوائها. العاصمة التالية قد تكون دمشق، أو بغداد، أو حتى الرياض وعمان والدوحة ومنامة. حين تتهاوى الحدود ويُعاد تعريف السيادة بالقوة، لا أحد بمأمن.
الخلاصة: لبنان ليس إلا البداية
ما جرى اليوم في لبنان ليس نهاية المأساة، بل هو بداية فصل جديد من العبث الدموي. إسرائيل تريد لبنان مثل غزة – جزءاً منها، بلا سيادة، بلا مقاومة، بلا شعب يقرر مصيره. والطريق إلى هذه النهاية يمر عبر تدمير اليوم الحاضر.
العرب أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يصحوا من غفلتهم، ويتركوا خلافاتهم جانباً، ويتحدوا حول موقف صارم يحمي لبنان ويحمي مستقبل الأمة، أو أن يظلوا متفرجين حتى تدور الأيام وتأتي النيران إلى بيوتهم.
التاريخ لا يرحم المترددين، والدم اللبناني الذي سال اليوم سيكون وصمة عار على جبين كل من تخلى عن واجبه. أما الكيان المحتل، فلن يردعه إلا لسان عربي واحد وقبضة عربية واحدة. فهل آن الأوان؟






