مقالات

محمد حماد يكتب: من خامنئي إلى لاريجاني

تقف إيران بين احتمالين، لا ثالث لهما في مثل هذه الحالات: إما أن يؤدي الضغط إلى تفكك داخلي، حيث تتصارع الأجنحة على ما تبقى من سلطة، وإما أن يُنتج رد فعل معاكس،

مشاركة:
حجم الخط:

 حرب الاغتيالات في زمن تفكيك الدول

لم تعد الحروب، كما عرفها التاريخ، تبدأ بإعلانٍ وتنتهي بتوقيع.
ولم تعد الجيوش وحدها هي التي تتحرك، ولا الجبهات وحدها هي التي تشتعل.
ما يجري اليوم في إيران يكشف أننا دخلنا طورًا جديدًا، تُدار فيه المعارك من أعلى، حيث القرار، وحيث المركز، وحيث تتركز روح الدولة نفسها.

اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي لم يكن مجرد حدثٍ صادم في سياق حرب، بل كان لحظة إعادة تعريف الحرب ذاتها.

ذلك أن استهداف رأس النظام، في دولةٍ تقوم بنيتها السياسية والعقائدية على مركزية هذا الرأس، هو إعلان صريح بأن الهدف لم يعد تعديل السلوك، بل تغيير الكيان.

لم تكن الضربة موجهة إلى مؤسسة عسكرية، ولا إلى منشأة استراتيجية، بل إلى “فكرة الدولة” كما تجسدت في شخص واحد.

ومن هنا، بدا ما تلاها امتدادًا طبيعيًا لا خروجًا عن السياق. فحين يُزال الرأس، لا تكتمل العملية إلا بإضعاف الجسد ومنع أي إمكانية لإعادة التكوين.

استهداف الشخصيات تصفية للقدرة 

هنا يأتي استهداف شخصيات مثل علي لاريجاني، لا بوصفه تصفية حساب مع شخصية بهذا الحجم والثقل، بل بوصفه حلقة في سلسلة متصلة ومتواصلة تحت عنوان: ” تصفية القدرة على إنتاج البديل”.

 

في الحروب التقليدية، كان تدمير القوة العسكرية كافيًا لإخضاع الخصم.

أما في هذا النمط الجديد، فالقوة لا تُقاس فقط بما تملكه الدولة من سلاح، بل بما تملكه من رجال قادرين على اتخاذ القرار وإعادة ترتيب الفوضى.

ولذلك، فإن ضرب الصف الأول يعقبه بالضرورة استهداف الصف الثاني، ليس لأنه أكثر خطرًا، بل لأنه أكثر قابلية لملء الفراغ.

هكذا تتحول الحرب إلى عملية جراحية معقدة

إزالة المركز، ثم ملاحقة الدوائر المحيطة به، ثم الانتقال تدريجيًا إلى تفكيك الشبكة التي كانت تمنح النظام تماسكه. وفي قلب هذه الشبكة تقف مؤسسات مثل الحرس الثوري الإيراني، التي لم تعد مجرد ذراع عسكرية، بل عمودًا بنيويًا في الدولة.

استهدافها، بالتوازي مع استهداف قياداتها، يعني أن الضربات لا تتجه إلى سطح النظام، بل إلى أعماقه.

غير أن أخطر ما في حرب الاغتيالات ليس دقتها، بل رسائلها. فحين تصل القدرة إلى هذا المستوى من الاختراق، فإن السؤال لا يعود: من يملك القوة؟ بل: من يملك المعرفة؟

المعرفة هنا ليست معلومات عابرة، بل هي قدرة على النفاذ إلى دوائر النظام المغلقة، إلى تحركات رجاله، وربما إلى تناقضاته الداخلية.

وهذا ما يجعل الاغتيال ـ في هذا السياق ـ فعلًا استخباراتيًا بقدر ما هو فعل عسكري

ومن هذه الزاوية، تبدو “معركة الاغتيالات” وكأنها الوجه الأكثر وضوحًا لحربٍ أعمق: حرب على التماسك الداخلي. إذ لا يمكن لسلسلة من الضربات بهذا المستوى أن تتحقق دون أن تترك خلفها أثرًا داخل البنية نفسها: شكوكًا، صراعات، إعادة تموضع، وربما انكسارات صامتة لا تظهر على السطح فورًا.

لكن الأمر ليس بهذا التبسيط المخل، فالدول لا تسقط فقط حين تُهزم عسكريًا، بل حين تفقد قدرتها على إعادة إنتاج نفسها.

تطورات التصعيد الأمريكي الإسرائيلي تطرح سؤالًا الآن: هل ما يجري يهدف إلى إسقاط النظام، أم إلى منعه من النهوض مجددًا؟

الفرق بين الاثنين دقيق، لكنه حاسم

إسقاط النظام يمكن أن يحدث بضربة أو بضربات.
أما منع إعادة إنتاجه، فهو عملية أطول، وأكثر تعقيدًا، تقوم على استنزاف النخبة، وتشتيت مراكز القوة، وخلق فراغٍ لا يجد من يملؤه.

في هذا الإطار، يمكن فهم تزامن الاغتيالات مع الضربات التي طالت البنية الصاروخية والمنشآت العسكرية. فالقضية ليست فقط في تدمير القدرة، بل في ضمان ألا تعود هذه القدرة في صورة أخرى.

أي أن الحرب تُدار على مستويين متوازيين: مستوى مادي يُدمر، ومستوى بشري يُستنزف.

غير أن كل ذلك لا يجيب عن السؤال الأكبر: كيف يرد النظام الذي يُستهدف بهذا الشكل؟

في الحسابات العقلانية، تقف إيران بين احتمالين، لا ثالث لهما في مثل هذه الحالات: إما أن يؤدي الضغط إلى تفكك داخلي، حيث تتصارع الأجنحة على ما تبقى من سلطة، وإما أن يُنتج رد فعل معاكس، حيث تتماسك البنية تحت ضغط الخطر، وتتحول إلى صيغة أكثر صلابة، وربما أكثر عنفًا.

وهنا، تصبح المفارقة واضحة:

الضربات التي تهدف إلى إضعاف النظام قد تكون، في بعض الحالات، سببًا في إعادة تشكيله على نحوٍ أكثر تماسكًا. لكن ذلك يتوقف على عامل واحد: هل ما زال لدى النظام ما يكفي من الكوادر والروابط لإعادة البناء؟

ما جرى اليوم لا يمكن قراءته كحدث عابر، ولا حتى كمرحلة من حرب. إنه تحول في منطق الصراع نفسه.

لم يعد الهدف احتلال الأرض، بل تفكيك الدولة، ولم يعد السلاح وحده هو الأداة، بل المعرفة، والاختراق، والقدرة على الوصول إلى اللحظة التي يصبح فيها القرار هدفًا، وصاحبه جزءًا من ميدان المعركة.

ما يجعلنا نقول إننا أمام حرب تُكتب فصولها في الظل، لكن آثارها ستظهر في العلن، لا في شكل انتصارٍ واضح، بل في شكل خرائط جديدة، وأنظمة تُولد أو تسقط، وربما في شكل عالمٍ لم يعد يعترف بالقواعد القديمة للصراع.

غير أن هذا التصورـ الذي يحكم إدارة الحرب من جانب واشنطن وتل أبيب، كما يعكسه خطاب دونالد ترامب وبنيامين نتنياهوـ يقوم على فرضية ضمنية: أن كثافة الضربات، حين تبلغ حدّها الأقصى، كفيلة بإحداث الانهيار.

وهي فرضية قد تصح في حالات، لكنها ليست قانونًا تاريخيًا مطلقًا

ذلك أن ما يُغفل في هذا الحساب هو طبيعة “الأمة” التي تُستهدف.

إيران ليست مجرد نظام سياسي يمكن فصله عن مجتمعه بعملية جراحية بالطائرات الشبح، أو بعمليات اغتيال دنيئة، بل هي كيان حضاري متراكم، تشكل عبر قرون طويلة من الصراع، والانكسار، وإعادة التشكل. هذه التراكمات لا تظهر في لحظة القوة، بل في لحظة الاختبار.

إنهاك البنية العسكرية 

صحيح أن الضربات العنيفة ـ المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ـ تملك قدرة تدميرية هائلة، قادرة على إنهاك البنية العسكرية وإرباك القيادة، وربما تفكيك أجزاء من النظام. لكن التاريخ يقدم لنا نماذج متكررة تؤكد أن استجابة الأمم ليست واحدة.

هناك دول تنهار حين يُضرب رأسها، وهناك أمم ـأعمق جذورًا ـ قد تتراجع، وقد تُهزم، لكنها لا تنكسر.

والأمة الإيرانية، في هذا السياق، تنتمي إلى هذا النمط الأخير

هي أمة عرفت عبر تاريخها الطويل كيف تتلقى الصدمات، وكيف تعيد إنتاج ذاتها في صور مختلفة. من الإمبراطوريات القديمة إلى الدولة الحديثة، ومن لحظات الاحتلال إلى لحظات الثورة، ظل هناك خيط ناظم: القدرة على البقاء، لا بوصفه صدفة، بل بوصفه خاصية كامنة في البنية الحضارية.

رهانات متعجلة 

ومن هنا، فإن الرهان على أن اغتيال القيادات، أو حتى تفكيك النظام، سيقود بالضرورة إلى انهيار شامل، قد يكون رهانًا متعجلًا.

إذ قد تُفضي هذه الضغوط، بدلًا من التفكك، إلى ما يشبه “الارتداد التاريخي”، حيث تتماسك البنية الاجتماعية تحت وطأة الخطر، ويُعاد تعريف الصراع بوصفه صراعًا وجوديًا، لا مجرد أزمة سياسية.

وفي هذه الحالة، تتحول الضربات والاغتيالات نفسها إلى عنصر تعبئة، لا إلى أداة تفكيك.

وتصبح الحرب ـ التي صُممت لإنهاء النظام ـ سببًا في إطالة عمره، أو في إعادة إنتاجه بشكل أكثر صلابة.

وهنا، قد يكون الخطأ الأكبر في حسابات الحرب: أنهم يراهنون على سقوط نظام، بينما يوقظون أمة

شارك المقال: