إبداع
محمدفرحات
محمدفرحات

ناقد وقاص

قصة قصيرة (هل كان الموت أرحم)

كانت تنظر إلى السقف، كأنها تخاطب قدرًا لا يُرى، ومنذ تلك اللحظة لم تعد الأم التي يعرفها عدنان. صارت أكثر هدوءًا، لكن ذلك الهدوء كان مخيفًا كهدوء قبر موحش.كان يشبه انفجارًا مكتومًا.

مشاركة:
حجم الخط:

هل كان الموت أرحم 

بقلم: محمد فرحات 

لم يكن القرار لحظة واضحة يمكن الإشارة إليها، بل كان شيئًا يتكوّن ببطء، كظلٍ يتمدّد دون أن يُلاحظ.

شعر به عدنان منذ البداية، لكنه لم يملك الشجاعة ليوقفه، أو ربما لم يكن له قرار حيال عيني أمه.
قبل أيام قليلة، تغيّر كل شيء.

جلست أمه على حافة السرير، تحمل ورقة طلاق بأختام رسمية باردة لا تشبه دنياها التي كانت حياة وخصبًا، وبجوارها تقارير طبية تخبرها بما تبقى من عمرها الذي أوشك على الرحيل.

لم تبكِ، لم تعترض، فقط قالت بصوت خافت: “مش عايزاهم يتبهدلوا بعدي”.

كانت تنظر إلى السقف، كأنها تخاطب قدرًا لا يُرى، ومنذ تلك اللحظة لم تعد الأم التي يعرفها عدنان.
صارت أكثر هدوءًا، لكن ذلك الهدوء كان مخيفًا كهدوء قبر موحش.

كان يشبه انفجارًا مكتومًا.

كلماتها قليلة، لكنها حاسمة، وكأنها لا تفكر بل تُصدر أحكامًا.

حاول عدنان أن يقنع نفسه أن ما تمر به مجرد صدمة، لكن الفكرة تسللت إليه رغمًا عنه: ماذا لو كانت محقّة؟ ماذا لو كان الموت أرحم؟
في تلك الليلة، كان البيت ساكنًا بشكل غير طبيعي.

صمت ثقيل يضغط على الصدر.

كانت الأم تراقب، بعينين ثابتتين لا تهتزان.

عندما قالت وهي تنظر إلى الصغيرة: “دي أكتر واحدة هتتعب”، شعر بشيء داخله ينكسر، لكنه لم يتوقف.

لم يكن ما حدث قرارًا بقدر ما كان انهيارًا تدريجيًا.

في كل مرة، كان يفقد جزءًا من نفسه، وفي كل مرة، كانت نظرة منها تكفي ليكمل.
الأطفال لم يقاوموا كثيرًا.

كانوا يثقون.

وهذه كانت أقسى الحقائق.
عندما انتهى كل شيء، جلس وسط الشقة التي لم تعد شقة، بل فراغًا ثقيلًا.

نظر إلى أمه، فوجدها ما تزال حية، تتنفس بصعوبة، لكنها هادئة بشكل مخيف.

قال بصوت مكسور: “خلصنا”.

نظرت إليه وابتسمت ابتسامة خفيفة، ثم قالت: “لسه”.
اقترب منها وهو يشعر بشيء لم يشعر به من قبل… الخوف منها.

سألها: “إنتِ عايزة إيه؟” فقالت ببساطة: “زيهم”.

لم تتراجع، لم تتوسل، فقط أغمضت عينيها كأنها توافق.

للحظة، تمنّى أن تمنعه، أن تقول “لا”، أن تعود أمًا ولو لثانية… لكنها لم تفعل.
وعندما انتهى، لم يشعر بشيء.

لا راحة ولا ندم، فقط فراغ.
أمسك الشفرة وقطع شرايينه.

كان الألم حقيقيًا، والدم حقيقيًا.
استيقظ على رائحة خانقة، ووجد نفسه وسط أجساد صامتة.

لم يكن متأكدًا إن كانت جثثًا حقيقية أم مجرد صور من ذاكرته.

المكان بدا وكأنه كابوسًا يصارع من أجل الخروج منه.

حاول أن يصرخ، لكن صوته لم يخرج.

بدأ يزحف، وكلما تحرك، اختفى جسد من حوله، كأنهم لم يكونوا هناك أصلًا… أو كأنهم جزء من كابوسه الجاسم على صدره.
عندما خرج إلى الضوء، وجد نفسه على سطح عمارة شاهقة.

الهواء كان قاسيا ، والواقع أوضح مما يحتمل.

وقف على الحافة، نظر إلى الأسفل، ثم إلى يديه، وهمس: “أنا عملت إيه؟”
خطوة واحدة كانت كفيلة بإنهاء كل شيء.
لكن يدًا جذبته إلى الخلف.

ثم أخرى.

أصوات، أشخاص، حياة ترفض أن تتركه يسقط.
سقط على الأرض، يبكي، يرتجف، لكنه أدرك شيئًا واحدًا: أنه لم ينجُ.

المقبرة كانت داخله…
فتح عينيه فجأة.
كان في نفس الشقة.
نفس الصمت، أخواته يغطون في نوم عميق كأن يد السوء لم تمسسهم، الصغيرة تحتضن دميتها تبتسم لأحلام العيد وفستان جديد رأته بإحدى الفتارين، الوسطى تحلم بوجبة قد تأتي عن قريب، بينما الأخرى تحلم بمقدم أبيها بهدايا ولعب كثيرة.
نظر نحو أمه…
كانت ما تزال هناك، تنظر إلى السقف.
ثم قالت بنفس الصوت: “مش عايزاهم يتبهدلوا بعدي”.
تجمّد في مكانه.
وفي تلك اللحظة فهم الحقيقة المرعبة:
أن ما حدث قد يكون لم يبدأ بعد…
أو أنه يتكرر، ولن ينتهي من الدوران مرات ومرات …
وأنه لن يستطيع الهروب هذه المرة.
لأن الفراغ لم يكن نهاية…
بل دائرة يعيشها إلى الأبد، ثم ضجيج صمت، يعقبه صراخ لا يهدأ سارينة إسعاف ثم لافتة كتب عليها “عنبر الخطرين”، .

شارك المقال: