“عيون بيروت” لعزة طويل: حين تصبح المدينة بطلاً
تصبح بيروت البطل الرمزي الحقيقي للرواية؛ مدينة ترى وتُرى، تُراقب أبناءها كما يراقبونها، وتتجسد في تفاصيل حياتهم اليومية، في حبهم وخيباتهم، وفي الندوب التي تركتها الكوارث المتلاحقة على جسدها.

في رواية “عيون بيروت” للكاتبة اللبنانية عزة طويل، لا يبدو العنوان مجرد تسمية جمالية أو استعارة شعرية، بل يتحول منذ الصفحة الأولى إلى مفتاح تأويلي للرواية كلها.
بيروت البطل
فـ”العيون” هنا ليست فقط عيون الشخصيات التي تتقاطع مصائرها في المدينة، بل هي أيضاً عيون المدينة نفسها: عيون جميلة، حائرة، دامية، وأحياناً مفقوءة بفعل العنف والاضطراب.
بهذا المعنى، تصبح بيروت البطل الرمزي الحقيقي للرواية؛ مدينة ترى وتُرى، تُراقب أبناءها كما يراقبونها، وتتجسد في تفاصيل حياتهم اليومية، في حبهم وخيباتهم، وفي الندوب التي تركتها الكوارث المتلاحقة على جسدها.
ومن هنا يمكن القول إن الرواية لا تكتب حكاية حب فحسب، بل تكتب سيرة مدينة من خلال عيون أبنائها.
العيون بوصفها لغة المدينة
في عالم الرواية تحتل العيون مساحة رمزية واسعة. فالكاتبة تبني شبكة من الدلالات حول العين:
عين جميلة، عين حائرة، عين دامعة، وعين مكسورة أو مفقوءة في مشاهد الاحتجاجات البيروتية.
ولعل أكثر الشخصيات التصاقاً بهذه الرمزية هو كنان، المصوّر الذي يعشق تصوير العيون تحديداً. فالصورة بالنسبة إليه ليست مجرد توثيق بصري، بل محاولة للقبض على اللحظة الإنسانية الأكثر صدقاً: لحظة انكشاف الروح في العين.
في هذا الشغف بالتصوير يتجلى سؤال الرواية العميق:
هل يكفي أن نرى الواقع؟
أم يجب أن نكشفه ونفضحه؟
فالعين هنا تتحول إلى أداة معرفة، مثلها مثل الكتابة. وكما يحاول كنان أن يقرأ العالم من خلال عدسته، تحاول الراوية أن تقرأه من خلال الكتابة.
جدلية الخاص والعام
ما يميز بناء الرواية هو تلك الجدلية المستمرة بين الخاص والعام. فالحكاية الشخصية لكل شخصية لا تنفصل عن تاريخ بيروت المضطرب بين عامي 2019 و2021.
الحب في الرواية لا يحدث في فراغ رومانسي هادئ، بل في مدينة مثقلة بالكوارث:
احتجاجات الشارع اللبناني
تراكم الأزمات الاقتصادية
جائحة كوفيد-19
انفجار مرفأ بيروت المروّع
هكذا يصبح الحب نفسه تجربة مهدَّدة، أو محاولة للنجاة وسط عالم يتداعى.
ليست مأساة الرواية في علاقة عاطفية مضطربة فقط، بل في تزامن الألم الشخصي مع الألم الجماعي. فالشخصيات تعيش جراحها الخاصة بينما المدينة كلها تنزف.
المرآة السردية والانشطار النفسي
تبدو شخصيات الرواية وكأنها شخصيات انشطارية؛ لكل منها مرآة تعكسها داخل النص.
تلجأ الروائية عزة طويل إلى ما يمكن تسميته “حيلة المرآة الكتابية”، حيث تنعكس الشخصيات بعضها على بعض:
شخصية الراوية تنعكس على شخصية لمياء.
شخصية كنان تنعكس على شخصية رامي.
فعل الكتابة لدى الراوية يوازي فعل الكتابة لدى لمياء.
كأن الرواية تقول إن كل شخصية تحمل نسخة أخرى من نفسها في شخص آخر.
حتى العلاقات العاطفية تُبنى على هذا التضاد:
فـرامي يمثل نموذج العشق المستبد المتملك، بينما يمثل كنان نموذج العشق المتفهم والإنساني.
وبين هذين النموذجين تتحرك الشخصيات النسائية بحثاً عن صوتها الخاص، وعن قدرتها على النجاة من علاقات تُخضعها أو تُعرّيها.
بيروت: الأم الحنون القاسية
بيروت في الرواية ليست مجرد مكان للأحداث، بل شخصية حيّة تتنفس داخل النص.
إنها المدينة التي تحتضن أبناءها وتجرحهم في الوقت نفسه.
مدينة تشبه إلى حد بعيد أم الراوية.
وهنا تظهر مرآة أخرى في النص:
بيروت ↔ أم الراوية
كلتاهما حاضنة، صابرة، تتحمل الألم بصمت.
وكلتاهما قادرة أيضاً على القسوة.
بهذا التشابك بين المدينة والأم تتحول بيروت إلى رمز للأمومة الجريحة التي تحاول حماية أبنائها رغم العواصف.
ذاكرة الرائحة
من العناصر اللافتة في الرواية حضور ذاكرة الرائحة بوصفها أداة سردية قوية.
فالمدينة لا تُرى فقط، بل تُشمّ أيضاً.
نجد في النص طبقات من الروائح المتناقضة:
رائحة البحر البيروتي المتغير
رائحة النفايات التي ملأت شوارع المدينة في أزماتها
رائحة القهوة التي تمتزج بالمشهد اليومي
رائحة الجلد المحترق
وهذه الأخيرة(أي احتراق الراوية بركوة القهوة، وحضور ذاكرة الرائحة بذات كيفية الاحتراق بطفولتها، إثر مشاجرة بين الأم والأب قبيل مقتل الأب) ليست تفصيلاً عابراً؛ إذ تصبح مفتاحاً لكشف لغز مقتل الأب في الرواية.
فالروائح هنا تعمل مثل ذاكرة حسية تكشف ما تحاول الذاكرة العقلية أن تخفيه.
مأساة الأب ومأساة المدينة
مقتل الأب في الرواية ليس حادثة عائلية فقط.
إنه مرآة لمأساة بيروت نفسها.
فالأب الذي حاول فضح الفساد يصبح ضحية له، تماماً كما أصبحت المدينة ضحية صراعاتها السياسية والاقتصادية.
بهذا المعنى تتحول القصة الشخصية إلى رمز سياسي وأخلاقي يربط بين فساد السلطة وانكسار المدينة.
عدنان: الطفل الذي يشبه شعباً
من الشخصيات الرمزية أيضاً شخصية عدنان، الطفل الذي فقد أبويه.
عدنان ليس مجرد طفل يتيم في الرواية، بل يمكن قراءته بوصفه رمزاً للشعب اللبناني نفسه:
شعب يعاقَب بلا تهمة واضحة، سوى أنه يحب الحياة ويعشق الجمال.
هذا الطفل الضائع يصبح علامة على براءة مهدَّدة في عالم لا يكف عن إنتاج المآسي.
لماذا نكتب؟
تطرح الرواية سؤالاً مركزياً يتكرر بين السطور:
لماذا نكتب؟
هل الكتابة مجرد توثيق للواقع؟
أم أنها محاولة لكشفه وفضحه؟
يبدو أن عزة طويل تميل إلى الاحتمال الثاني.
فالكتابة في الرواية ليست حيادية، بل هي فعل مقاومة.
ومن هنا نفهم التوازي بين كتابة الراوية وكتابة لمياء:
كلتاهما تحاول استعادة الصوت المسلوب عبر السرد.

الكتابة كفعل تطهيري
تصل الرواية في النهاية إلى ما يمكن تسميته الفعل التطهيري للسرد.
فالكتابة تصبح وسيلة لمواجهة الألم، لا للهروب منه.
تقول الراوية في أحد المقاطع:
“كنت طفلة ضائعة وموجوعة، وامرأة راشدة عانت من انفجار لم يشهد له العالم مثيلاً، فأدى إلى وجع في جنبها، لتأتي ركوة قهوة تحرق جلدها كله؛ فكرة خاطئة واحدة، دعسة ناقصة واحدة تكفي لاستجلاب المزيد من الألم.”
في هذا المقطع تتكثف فكرة الرواية:
الحياة يمكن أن تنكسر بلحظة صغيرة، لكن السرد يمنح الألم معنى.
وفي موضع آخر نقرأ:
“لا، رامي الذي كتبناه معاً انتهى… هدّته بيروت هذه المرة.”
هنا تصبح المدينة قوة قادرة على تفكيك الأقنعة وإسقاط العلاقات الزائفة.
تقنية توازي النصوص
ثلاث حكايات تتصارع داخل الرواية
من أكثر التقنيات السردية نضجاً في رواية “عيون بيروت” اعتماد الكاتبة عزة طويل على توازي ثلاثة نصوص داخل النص الروائي الواحد. فالرواية لا تُروى بصوت واحد أو بسرد خطي تقليدي، بل تتشكل من ثلاثة مستويات سردية تتقاطع وتتناقض أحياناً، بحيث يصبح كل نص منها محاولة للسيطرة على الحقيقة أو استعادتها.
النص الأول هو النص الذي يكتبه رامي داخل الرواية، حيث يسرد تجربته العاطفية مع لمياء بوصفها علاقة امتلاك. في هذا النص تبدو لمياء شخصية ثانوية داخل عالمه، مجرد مادة سردية يطوّعها لرغبته في صناعة بطل رومانسي على غرار أبطال العشق التراجيدي. هنا تتحول الكتابة إلى أداة هيمنة؛ فالرجل الذي يكتب يفرض رؤيته على القصة وعلى المرأة التي شاركته التجربة.
أما النص الثاني فهو نص لمياء الذي تكتبه لاحقاً بتشجيع من الراوية. هذا النص يأتي بوصفه فعلاً من أفعال المقاومة السردية؛ محاولة لاستعادة الحكاية من يد من صادرها. فإذا كان رامي قد حوّلها في نصه إلى موضوع للحب والفضيحة معاً، فإن لمياء تعيد كتابة التجربة من موقعها هي، لا بوصفها ضحية فقط، بل بوصفها ذاتاً واعية قادرة على تفكيك العلاقة وكشف آليات التلاعب العاطفي التي مورست عليها.
أما النص الثالث فهو النص الروائي الأشمل الذي ترويه الراوية نفسها، وهو النص الذي يحتضن النصين الآخرين. في هذا المستوى نتابع تجربتها مع رامي أيضاً، لكننا نرى كذلك تطور علاقتها بكنان، مع الخلفية التاريخية والوجودية التي تتحرك فيها الشخصيات: انفجار بيروت، الاحتجاجات، الجائحة، وانكسارات المدينة. وهكذا تتحول الرواية إلى فضاء تتجاور فيه ثلاث رؤى للحقيقة: رؤية الهيمنة، ورؤية المقاومة، ورؤية التأمل.
هذا البناء المتوازي يمنح الرواية بعداً تأويلياً عميقاً؛ إذ لا تعود الحقيقة السردية واحدة أو نهائية، بل تتشكل من احتكاك الأصوات وتناقضها. فكل نص يحاول أن يفرض تفسيره الخاص لما حدث، لكن القارئ يكتشف تدريجياً أن الحقيقة لا تقيم في نص واحد، بل في المسافة بين النصوص الثلاثة.
بيروت… البطل الحقيقي
في النهاية لا تبدو الشخصيات سوى امتدادات لروح المدينة.
بيروت هي التي تجمعهم وتفرقهم.
وهي التي تمنحهم الحب وتوقعهم في الألم.
ولذلك يمكن القول إن الرواية ليست رواية شخصيات بقدر ما هي رواية مدينة.
مدينة ترى العالم بعينين متعبتين، لكنها لا تزال تحلم.
سؤال المدينة الجريحة
تنتهي الرواية بسؤال مؤلم يختصر مأساة الشخصيات والمدينة معاً:
“ماذا فعلت بنا يا ست الدنيا؟ لمَ عاقبتِ أياً منا سواء أخطأنا أم لم نخطئ؟ فما ذنب عدنان مثلاً؟ وما ذنبي حين كنت طفلة؟ وما ذنب كنان ولمياء؟ وماذا عن أمي التي لم تقترف إلا الصبر؟ أما رامي فهل جاء عقابه عادلاً؟ فلنفترض أن لكل منا خطيئته، لماذا كنا نحاسَب جماعياً عليها هكذا على الأرض قبل الفناء؟”
إنه سؤال يتجاوز الرواية ليصبح سؤالاً عن مصير مدينة بأكملها.
لكن ربما تكمن قوة “عيون بيروت” في أنها لا تقدم إجابة نهائية، بل تترك العيون مفتوحة على الألم…وعلى احتمال الأمل أيضاً.





