مقالات
د. سامح غنيم
د. سامح غنيم

كاتب وباحث

صراع الظل الذي يعيد تشكيل الشرق الأوسط 

تعتمد إيران في هذه المواجهة على فلسفة مختلفة عن الحروب الكلاسيكية فبدل السعي إلى “ضربة قاصمة ، فهي تُراكم أدوات استنزاف طويلة الأمد من صواريخ و مسيّرات منخفضة الكلفة و عالية الأثر و شبكة إقليمية ممتدة خارج حدودها

مشاركة:
حجم الخط:

الحرب الإيرانية الصهيونية
خاص أخر الكلام 

لم تعد المنطقة تقف على حافة الحرب ، بل تعيش داخلها دون إعلان رسمي فما يجري بين إيران وإسرائيل ليس مواجهة تقليدية ، بل حرب مركّبة متعددة المستويات ، تتشابك فيها الصواريخ مع الاستخبارات، والمسيّرات مع الاقتصاد ، و الرمزية السياسية مع الردع النفسي .
إنها حرب تُدار بالعقل البارد ولكن بنيران ساخنه ، حيث لا يُراد لها أن تنفجر دفعة واحدة ، و لا أن تنطفئ قريباً ..
هو تفوق لوجستي متبادل لا يبحث عن نصر … بل عن استنزاف و نفس طويل اغلب الظن أنه يميل لصالح إيران .. و تعتمد إيران في هذه المواجهة على فلسفة مختلفة عن الحروب الكلاسيكية فبدل السعي إلى “ضربة قاصمة ، فهي تُراكم أدوات استنزاف طويلة الأمد من صواريخ و مسيّرات منخفضة الكلفة و عالية الأثر و شبكة إقليمية ممتدة خارج حدودها و قدرة على توزيع الضغط الجغرافي بدلاً من تركيزه.

هذا التفوق اللوجستي الايراني لا يستهدف إسرائيل وحدها ، بل البنية الچيوسياسية التي تقودها الولايات المتحدة في المنطقة ، فكل دولار يُنفق على الدفاع ، و كل قطعة بحرية تُستدعى ، و كل قاعدة تُستنفَر ، هو جزء من معركة إنهاك لا تبحث عن صورة نصر بقدر ما تسعى إلى كسر المعادلة الاستراتيجية.
و الاندفاع الصهيوأمريكي يتكبد كلفة تتجاوز ساحة المعركة و الاندفاع العسكري غير المحسوب لا يهدد الشرق الأوسط فقط ، بل ينعكس على الداخل الغربي نفسه ، فاستمرار التصعيد يعني تضخماً اقتصادياً متصاعدًا ربما يقلب ميزان أهدافه إلى النقيض و يسبب اهتزاز الثقة المجتمعية و انقسامات سياسية داخل دول حلف شمال الأطلسي بشكل عام
حيث أن الحروب الحديثة لم تعد تُقاس بالخرائط ، بل بتماسك المجتمعات ، و استقرار الأسواق ، و قدرة الأنظمة على إقناع شعوبها بعدالة تكلفة الحرب مقابل تحقيق النتائج.

 فضيحة القواعد .. من يحمي من؟ 
و كشفت الوقائع ، لا التصريحات ، أن معظم القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج لم تُنشأ فقط لحماية طرق الطاقة أو “ أمن الحلفاء” ، بل لتأمين العمق الاستراتيجي الإسرائيلي ، هذه الحقيقة التي طالما جرى تغليفها بالخطاب الدبلوماسي ، باتت اليوم أكثر وضوحاً عن أي وقت مضى ، و هو ما يضع الأنظمة العربية ” المضيفة ” أمام سؤال تاريخي :
هل تُستخدم السيادة كدرع … أم كمنصة ؟

رهان ترامب
في الوقت الذي يراهن ترامب على نصر زائف من خلال معادلة لم تتغير .. لقد راهن دونالد ترامب على أن الضغوط القصوى ، و العقوبات الخانقة ، و الضربات الصادمة ، قادرة على إحداث شرخ داخل النظام الإيراني ، لإنتاج نصر إعلامي يعيد ترميم الواقع بالمضي بعيداً عن جلاء الصورة المرعبه عن “رهبة الشبح الإيراني”
لكن النتيجة جاءت معاكسة :
~ لم يسقط النظام
~ لم تُكسر الإرادة على الطرف الآخر
~ و لم تُمحَ صورة القدرة على المواجهة نداً بند
بل على العكس ، تسارعت إعادة التموضع الإيراني ، واشتدت مآزر الصلابة الداخلية ، و انكشفت محدودية القوة حين تنفصل عن الفهم العميق للثقافة السياسية و رؤى الشعوب.

سقوط رهان العروش و ضريبة الوكالة
أما الأنظمة التي قبلت دور “ الوكيل الأمني” فقد دفعت و لا زالت تدفع ثمن هذا الخيار من مقدرات غاليه و أهمها :
~ فقدان ثقة شعوبها
~ تآكل شرعية قراراتها الاستراتيچية
~ تحوّلها إلى ساحات محفوفه بالخيبات لا مجرد لاعبي ظل مستقر
ففي لحظات التحول الكبرى ، لا تحمي القواعد الأجنبية العروش ، بل تسرّع الخطى نحو سقوطها بلا وعي منها
.. و الصمود الإيراني الذي أستمد طاقته من غضب متراكم لا مجرد تكتيك ، و هو الصمود الذي لا يمكن إدراكه عسكرياً فقط ، بل نفسياً و تاريخياً ، إنه صمود مشحون بتراكمات عديده لعل أهمها :
~ جرائم إسرائيلية موثقة
~ فشل أخلاقي للمؤسسات الدولية
~ خذلان عربي و شرق أوسطي رسمي
~ صمت دولي انتقائي
كل ذلك صنع حالة تعبئة لا تعتمد على الخطاب ، بل على القناعة بأن التراجع اليوم يعني الفناء غدًا.

 و يبقى الانعكاس الأخطر .. في إعادة لإنتاج وعي الشعوب، و سيكون فاعلاً حتمياً ، حيث يتمحور وعي الشعوب التي حتماً ستعيد النظر و التفكير في كل ما كان و ما يمكن ان تؤول له الأمور لأن الحرب إن توسعت فلن تغيّر خرائط فقط ، بل ستعيد تشكيل علاقة الشعوب بحكامها.
فحين تُستنزف المجتمعات من أجل معارك لا تشارك في قرارها ، تبدأ الأسئلة الكبرى :
– من يقرر؟
– لمن تُدفع الفاتورة؟
– و من يدفع الثمن؟
و هنا يكمن الخطر الحقيقي ، ليس على الأنظمة وحدها ، بل على البنية السياسية للمنطقة بأسرها.
ما يجري ليس معركة قصيرة ، و لا صداماً حاسماً ، بل حرب زمن و حرب أعصاب ، و ما يبعث به نحو تأثيرات اقتصادية ، و ظلال الشرعية ، و الوعي ..
لأنها حرب بلا صفارة نهاية و المنتصر فيها لن يكون من يملك السلاح الأقوى ، بل من يصمد أطول ، و يخطئ أقل ، و يفهم الشعوب أكثر.

شارك المقال: