سامح غنيم يكتب: يهود يثرب يبحثون عن العوده
التحليل السياسي لا يجب أن يتجاهل السرديات و الوقائع التاريخية ، مع الوضع بالإعتبار أن الصراعات الدولية تُدار في الغالب عبر مصالح متشابكة، وتحالفات لا تحكمها قيم أو مبادئ مثاليه.

قراءة في دروس النفوذ و القوة لقبائل يهود الحجاز و يثرب القديمه
من بنو قريظة و النضير و قينقاع إلى صراعات النفوذ الإقليمي المعاصر
حين نتأمل قصة يهود الحجاز و يثرب القديمه يتبين لنا منطق إدارة الصراع عبر التاريخ وكيف تُدار الحروب الصامتة بالقوة الخفية لتغليب منطق التوسع واستثمار اللحظة و زمن الاضطراب والأزمات لصنع الوقائع والتحالفات.
إقحام من يمكن أن يغير وجوده عناصر المعادلة لصالحه وإعادة تشكيل موازين السيطرة من خلال جراحة سياسية أو مؤامراتية لإعادة صياغة خرائط النفوذ و العوده لكل مواطنهم المزعومه و السيطرة على كامل المقدرات ..
ومن لا يفهم ما يحدث الآن سيكتشف لاحقًا أنه كان يعيش داخل خريطة أُعيد رسمها دون علمه أو إدراكة !!
.. في صمت الصحراء ، وتحت شمس الجزيرة الحارقة ، تُحاك قصص القوة والنفوذ منذ قرون.
لم تكن قبائل يهود الحجاز مجرد مجموعات اجتماعية ، بل كانت لاعبين استراتيجيين على رقعة متشابكة من المصالح والتحالفات.
أحداثهم التاريخية مع المسلمين في المدينة المنورة لم تكن مجرد نزاعات محلية ، بل نموذج حي لكيفية إدارة الصراع ، و استثمار الأزمات ، لتثبيت النفوذ تحت سقف دقيق من الحسابات الاستراتيجية.
في قلب الجزيرة العربية ، حيث لم تكن الصحراء يوماً ًفراغاً جغرافياً بل مسرحاً لتفاعلات معقدة من المصالح والتحالفات، برزت قبائل يهود الحجاز .. بنو قينقاع ، وبنو النضير، وبنو قريظة كقوة فاعلة في المشهد السياسي والاقتصادي لمدينة يثرب قبل الإسلام.
لم يكن وجودهم هامشياً ، بل شكّل أحد أعمدة التوازن داخل المدينة ، بما امتلكوه من نفوذ تجاري ، وقدرات دفاعية ، وشبكة علاقات.
غير أن هذا التوازن لم يكن ثابتاً ، فمع بزوغ مرحلة جديدة في تاريخ المدينة ، بدأت معادلات القوة في التحول، وظهر نموذج واضح جديد يراعي التوقيت ، والظروف ، والنتائج المتوقعة لمرحلة تغلُب مختلفة.
أطار من التعايش السلمي ثم تحولات كبيرة
بدأت العلاقة بين المسلمين وهذه القبائل بإطار من التعايش المنظم ، تُجسده اتفاقات واضحة لتنظيم الحياة داخل المدينة.
لكن هذا التوازن سرعان ما تعرض للاهتزاز ، ليس نتيجة عامل واحد ، بل بسبب تداخل معقد من التغيرات.
بنو قينقاع ثم بنو النضير
كانت البداية مع بنو قينقاع، حيث تحولت الخلافات إلى مواجهة انتهت بإخراجهم من المدينة ، ولم تكن هذه النهاية مجرد رد فعل، بل خطوة أولى في مسار أوسع لإعادة ضبط ميزان القوة.
تلتها مرحلة بنو النضير، الذين وجدوا أنفسهم خارج معادلة المدينة ، متجهين إلى خيبر، في مشهد يعكس كيف يمكن للأزمات أن تتحول إلى أدوات لإعادة توزيع النفوذ.
بنو النضير والتوقيت الحاسم والتخطيط
أما بنو قريظة ، فقد مثلت قضيتهم الذروة في هذا المسار ، جاءت المواجهة في لحظة شديدة الحساسية ، حيث تداخلت التهديدات الداخلية و الخارجية.
وأصبح عنصر التوقيت حاسماً ، ولم تكن النتيجة مجرد حسم عسكري ، بل إعادة تعريف كاملة لمن يملك السيطرة الفعلية على المدينة.
و لا تكمن أهمية هذه القصة في ماضيها ، بل في حاضرها الممتد خطوة خطوة ، و في صمت ، حتى تصبح واقعاً يمكن تغييره بأحلامهم، ليس فقط محل أقدامهم المحتلة و لكن بكل ربوع خطتها أقدام أسلافهم و ما بينها من أرض.
علينا
أن نقرأ الدروس و نعي ماذا علينا أن نفعل و مع من نكون و كيف يفكر العدو و كيف يفكر الصديق؟؟
عصر جديد وتوترات يمكن استغلالها
التوترات و الأزمات الإقليمية والدولية من الشرق الأوسط إلى أوروبا الشرقية ثم باقي العالم أعادت إحياء هذا النمط من التفكير.
سعي القوى الإستعمارية إلى تثبيت أقدامها ، مستغلة الانشغال الدولي ، وتباين المواقف بين القوى الكبرى و إنشغالها بأولويات متعارضة ، وإفتقادها للقدرة على التنسيق.
فتظهر فجوات في النظام الدولي يمكن استغلالها بذكاء ، خاصة مع ضعف المؤسسات الدولية في فرض حلول حاسمة ، ما يمثل أحد ثوابت السلوك السياسي لدى تلك القوى عبر التاريخ.
التمدد السياسي وتحقيق مكاسب
ما يمكن تسميته بـ”منطق التمدد السياسي” و إتقان القراءة البراجماتية للواقع الدولي و إستخدام الأزمات كرافعة لتحقيق المكاسب و الأهداف الإستراتيجية.
الإستفادة من غياب التوازن وتراجع الردع و إعادة ترتيب الحدود غير المعلنة للنفوذ وتوسيع السيطرة في ظل فرض سرديات إعلامية مطلقة و موجهه تعيد تشكيل وعي الرأي العام.
و لاسيما أن القوى الإستعمارية في حقيقة الأمر تمتلك رؤية استراتيجية بعيدة المدى ، ولا تنتظر استقرار الأوضاع لتتحرك.
تفضل العمل في بيئات مضطربة حيث تقل القيود وتضعف ردود الفعل ، وتصبح القرارات الجريئة أقل كلفة ، والاعتراضات أقل تأثيراً.
أن ما يبدو للوهلة الأولى كفوضى أو انهيار، قد يكون في حقيقته فرصة محسوبة بعناية لإعادة التموضع والتوسع.
حيث تُصنع الفرص من قلب الأزمات، لا على هامشها ، وغالبًا ما يكون الرابح هو الطرف الذي أحسن قراءة التوقيت، واستعد مسبقًا لاستغلال اللحظة.
التحليل السياسي والسرديات التاريخية
التحليل السياسي لا يجب أن يتجاهل السرديات و الوقائع التاريخية ، مع الوضع بالإعتبار أن الصراعات الدولية تُدار في الغالب عبر مصالح متشابكة، وتحالفات لا تحكمها قيم أو مبادئ مثاليه.
العالم لا تحكمه نوايا مجردة ، بل شبكة معقدة من الحسابات السياسية والاستراتيجية.
فالعالم بطبيعته لا يعترف بالفراغ ، وحين تتصدع التوازنات، تتقدم قوى لملء المساحات المتروكة، لا بردود فعل عشوائية ، بل بحسابات دقيقة تُدار خلف ستار من الصمت.
حقيقة تتجسد بوضوح
هذه ليست مجرد قراءة نظرية، بل حقيقة تتجسد بوضوح في مشهد المواجهة الممتدة بين إيران وإسرائيل ، هي حرب لا تُدار دائمًا بصوت المدافع، بل بعقل بارد وحسابات دقيقة.
ما نراه اليوم ليس صراعاً تقليدياً بقدر ما هو نموذج متكامل ” لإدارة الصراع تحت السقف ” ، حيث تتجنب الأطراف الانفجار الشامل ، لكنها تدفع بالتصعيد إلى أقصى حد ممكن دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة ، إنها معادلة دقيقة
من منظور استخباراتي، تتجلى ملامح هذا الصراع في ثلاث دوائر رئيسية:
أولًا: مسرح العمليات غير المباشر
تعتمد إيران على شبكة نفوذ إقليمية متعددة المستويات ، تُستخدم كأدوات ضغط استراتيجية تتيح لها توسيع نطاق التأثير دون تحمل كلفة المواجهة المباشرة و في المقابل ، تركز إسرائيل على الضربات الدقيقة والاستباقية ، مستهدفة مراكز الثقل اللوجستي والعسكري ، بهدف إبطاء التمدد وتقويض القدرات قبل اكتمالها.
ثانيًا: حرب الظل الاستخباراتية
الاغتيالات النوعية ، الاختراقات السيبرانية، والعمليات السرية لم تعد استثناءً، بل أصبحت جزءً من قواعد الاشتباك ، و هنا لا تُقاس القوة بعدد الجنود ، بل بقدرة كل طرف على اختراق عمق الآخر، وجمع المعلومات ، وتعطيل القدرات في اللحظة الحاسمة.
ثالثًا: إدارة الإدراك والرواية
في عصر الإعلام المتشعب ، لم يعد الصراع عسكرياً فقط ، بل سردياً أيضاً وكل طرف يسعى لفرض روايته كحقيقة ، ليس فقط على جمهوره الداخلي ، بل على الرأي العام الدولي ، لأن كسب المعركة الإعلامية قد يوازي في أهميته كسب المعركة الميدانية.
إن الصراع بين إيران وإسرائيل لا يمكن فصله عن هذا السياق الأوسع ، فكل ضربة ، وكل رد ، وكل تصعيد محسوب ، ليس مجرد فعل تكتيكي ، بل رسالة استراتيجية تُقرأ في عواصم القرار حول العالم إنها لعبة نفوذ طويلة ، تُدار بالنقاط لا بالضربات القاضية.
هذا النمط من الصراع يعكس تحولاً عميقاً في طبيعة الحروب الحديثة ومع ذلك ، يبقى السؤال الأهم:
إلى أين يتجه هذا المسار؟
الإجابة لا تكمن في نوايا الأطراف، بل في حسابات الكلفة والعائد. طالما ظل التصعيد تحت السيطرة، ستستمر هذه الحرب غير المعلنة. أما إذا اختل التوازن ولو بخطأ في التقدير ، فإن المنطقة قد تنتقل من “إدارة الصراع” إلى “انفجار الصراع”.
في النهاية ، يظل الدرس الأوضح : أن فهم ما يجري لا يتحقق عبر التفسيرات المبسطة، بل عبر قراءة شبكة المصالح ، وتقاطعات القوة ، ولحظة القرار ، فالعالم لا تحكمه الشعارات ، بل تحكمه الحسابات …
وتُصاغ خرائطه في صمت ، قبل أن تُعلن في ضجيج.
التاريخ لا يختفي. بل ينتظر اللحظة المناسبة ليعود بأقصى قسوة. من يقرأ ما جرى في يثرب والحروب القديمة في الجزيرة ..
يفهم .. من عليه هو أن يكون !!






