د. محمد محفوظ.. يكتب: ميراث مكيافيلي
ولعل ( وساخات السياسة ) تشبه الوضع الذى يجد أى منا نفسه فيه ، عندما يضطر لوضع يده فى قعر التواليت لالتقاط خاتم ألقاه طفله فيه ، أو عندما يضع أحدنا يده فى البلاعة لإزالة أي شيء يعوق تصريفها للمياه .

ربما لم يمت مكيافيلي ؛ وما فتأت روحه تنتقل من أمير لسلطان لملك لرئيس ؛ لتظل أفكار كتابه : ( الأمير ) شاخصة حاضرة ، تسكن القصور ومقرات الحكم في هذا العالم ؛ بملكياته وسلطناته وإماراته وجمهورياته .
بالطبع ؛ لم يبدأ تاريخ الغدر والخيانة والانتهازية ، والغاية التي تبرر الوسيلة مع كتاب مكيافيلي ، وإنما بدأ مع انطلاق المسيرة البشرية ذاتها ، وظل مستمراً بإصرار واقتدار .
ولكن في مجال الحكم والسلطة، فإن ما كان يرتكبه الحكام باعتباره نوازع ونواقص ومخازي بشرية ؛ تستدعي الامتعاض والاشمئزاز . إذا به يتم تنظيره وتوثيقه، بل وتوقيره مع مكيافيلي ليصبح نظرية معتبرة وسياسة مختبرة ؛ تمثل الدليل المختصر لممارسة الحكم والاحتفاظ به بكل الأساليب والأدوات ، ومهما كانت الخطايا والجرائم ، وكيفما كانت التكاليف والأضرار .
ونظراً لأن السياسة هي الأداة متعددة الأغراض التي يستخدمها الحكام لممارسة الحكم بمسئولياته المتشعبة والجسيمة ، فإن للسياسة وساخاتها التي تجعل المسئول السياسي مضطراً في أغلب الأحوال للمفاضلة بين السيئ والأسوأ ، أو الوسخ والأوسخ .
ولعل ( وساخات السياسة ) تشبه الوضع الذى يجد أى منا نفسه فيه ، عندما يضطر لوضع يده فى قعر التواليت لالتقاط خاتم ألقاه طفله فيه ، أو عندما يضع أحدنا يده فى البلاعة لإزالة أي شيء يعوق تصريفها للمياه .
ولكن إذا كانت ( وساخات السياسة ) تضطر السياسي للتعاطي مع الوساخة مجبراً ﻻ مختاراً .
فإنه بالمقابل هناك مدرسة في السياسة تمارس ( سياسة الوساخات ) ، بمعنى أن هذه المدرسة ترى السياسة كلها وساخة ، بحيث لا يستطيع الوفاء بمسئولياتها ولا الاضطلاع بمهامها إﻻ مجموعة من الذين يفضلون التعامل مع الوساخات .
وهذا هو ميراث مكيافيلي ؛ فقد انتقلت السياسة على يده وبفعل كتابه من ( حظيرة وساخات السياسة ) إلى ( مقلب زبالة سياسة الوساخات ) .
تبدو ( وساخات السياسة ) مثل حالة المحامي الذي يحاول استغلال ثغرات القانون لتبرئة موكله أو تخفيف الحكم عليه .
بينما تبدو ( سياسة الوساخات ) مثل حالة المحامى الذي يلفق الأدلة ويصطنع الشهود لتبرئة موكله وإلصاق التهمة بشخص برئ .
وللأسف فإن مدرسة ( سياسة الوساخات ) هي التى أصبحت تتبوأ المكانة العلية فى أروقة السياسة بعالمنا المعاصر .
فالنزاعات المزمنة التي لا تنتهي في بعض مناطق العالم ، أو الاضطرابات التى تنشب وتتعالى ألسنة نيرانها ، كلها تثبت بأن النيران إن كانت ﻻ تأكل نفسها لتنطفئ ، فإن هناك ﻻ محالة من يغذيها وينفخ فيها .
قد تبرر مدرسة ( وساخات السياسة ) الدور الذي تلعبه الدول لبيع السلاح لكل الأطراف المتصارعة ، باعتبار أن السلاح سلعة ﻻ ينبغى حبسها عمن يريدها ، وبالتالى ﻻ حرج في أن تبيع الدولة السلاح لطرف ما من الباب الأمامي ، وتبيع السلاح لعدوه من الباب الخلفي .
ولكن كيف يمكن لمدرسة ( سياسة الوساخات ) أن تبرر اصطناعها للفتن وتأليبها للنزاعات من أجل بيع السلاح لكل الأطراف ، ومن ثم إضعاف كل الأطراف وإنهاكها
قد يكون هناك تبرير فى عالم مدرسة ( وساخات السياسة ) للاستفادة من صراع قائم .
ولكن ما هو المبرر فى عالم ( سياسة الوساخات ) لاصطناع صراع ما ، وتذكية نيرانه ، للاستفادة من مآسيه ومخازيه وآلامه .
إن المراقب لمسار السياسة الدولية فى عالمنا المعاصر ؛ أو للسياسة الداخلية في دوله غير الديمقراطية ، سيجد بأن أنصار مدرسة ( سياسة الوساخات ) هم المتمترسون في مقاعد السلطة وأجنحة قصورها .
وإذا كان تاريخ البشرية – تحت راية الدنيا أو الدين – يروج لمجموعة من قطاع الطرق باعتبارهم فاتحين مغاوير ؛ لنجاحهم فى التكويش على أكبر عدد من البلدان لاستنزاف شعوبها ونهب ثرواتها .
فإن زمننا المعاصر يضم قاطعي طرق جدد ، بعض منهم تخصص في زرع الفتن وإشعال النزاعات للارتزاق من جريان نزيفها وتعالي لهيبها .
والبعض الآخر تخصص فى ترويض الضواري ، كالجماعات الإرهابية ، والمافيا الدولية ، والشركات العسكرية الخاصة ، لاستخدامها في ساحة السيرك السياسي الأسود العالمي .
وللأسف ؛ فثمة حقيقة مؤلمة تؤكد بأنه كلما اهتز الاقتصاد العالمي وانهارت عوائده ، كلما برزت وصعدت مدرسة ( سياسة الوساخات ) لتقود قاطرته وتحدد مسارها .
ولهذا ، فإن عالمنا المعاصر بقيمه النبيلة التي تمجد حقوق الإنسان ؛ واقتصاده المتقلقل الذي تسنده سياسة الوساخات ، هذا العالم ستؤرقه آجلاً أم عاجلاً هذه التناقضات ، لأنه لم يعد ميراث مكيافيلي صالحاً لعالم أصبحت تربطه تكنولجيا الاتصالات والمواصلات ؛ بينما تمزقه أيدلوجيا المطامع والمؤامرات …..
*****
رابط المقال المختصر:





