مقالات

حين يعود صوت الراديو حكاية إريتريا وإثيوبيا

إثيوبيا، التي كانت تستخدم موانئ مصوع وعصب، أصبحت دولة حبيسة. لم يكن ذلك عقوبة دولية، بل نتيجة مباشرة لاستقلال إقليم ساحلي كامل

مشاركة:
حجم الخط:

بين ذاكرة الطفولة وجغرافيا الصراع

بقلم 

د. أيمن خالد

في طفولتنا، لم نكن نفهم الخرائط، لكننا كنا نحفظ الأسماء.
كانت إذاعة بغداد تذكر “إريتريا” كما تذكر فلسطين، وكما تذكر ناميبيا، وأنغولا، وموزمبيق. كنا نلعب، نركض، نختلف على كرة، بينما يمر الاسم في خلفية المشهد كذبذبة بعيدة: القضية الإريترية… النضال الإريتري… الشعب الإريتري….

لم نكن ندرك لماذا تُذكر إريتريا دائمًا مع إثيوبيا، ولماذا يهتم بها خطاب عربي رسمي إلى هذا الحد. كانت مجرد كلمة تتردد، لا أكثر. لكن الكلمات التي تتكرر في الطفولة تعود في الكهولة بأسئلة ثقيلة.

كبرنا، دخلنا الصحافة، تعددت المنصات، تبدلت الوسائط. وصار ما كان همسًا في الراديو ملفًا استراتيجيًا يُفرض علينا فهمه، عملي في قنوات تُعنى بالسودان والبحر الأحمر والقرن الأفريقي أعاد إليّ ذلك الاسم، لا بوصفه ذكرى صوتية، بل بوصفه عقدة جيوسياسية حقيقية. فجأة، لم تعد إريتريا اسمًا بعيدًا، بل جزءًا من معادلة التجارة العالمية، والممرات البحرية، وسلاسل الإمداد، والمعادن، والتنافس الدولي.

فما أصل الحكاية؟ ولماذا ارتبطت إريتريا بإثيوبيا بهذا الشكل؟ ولماذا كانت تحضر في الخطاب العربي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي؟

من مستعمرة إيطالية إلى اتحاد قسري

القصة تبدأ في أواخر القرن التاسع عشر، حين أنشأت إيطاليا مستعمرتها في الساحل الغربي للبحر الأحمر عام 1890 وأطلقت عليها اسم “إريتريا”. تشكلت هناك بنية إدارية منفصلة عن الإمبراطورية الإثيوبية الداخلية. لم تكن مجرد محافظة إثيوبية تاريخيًا، بل كيانًا صيغ ضمن مشروع استعماري أوروبي مستقل.

بعد الحرب العالمية الثانية وسقوط إيطاليا الفاشية، وضعت بريطانيا الإقليم تحت إدارة عسكرية مؤقتة. ثم جاء القرار الأممي عام 1952 بإنشاء اتحاد فدرالي بين إريتريا وإثيوبيا. كان الحل الوسط: حكم ذاتي لإريتريا ضمن سيادة إثيوبية.

لكن هذا الترتيب لم يدم طويلًا.

عام 1962، أنهى الإمبراطور هيلا سيلاسي الفدرالية وضمّ الإقليم رسميًا. هنا تبدأ حرب التحرير الإريترية. لم يعد الأمر نزاعًا إداريًا، بل تحول إلى صراع مسلح طويل استمر ثلاثة عقود.

لماذا اهتمت إذاعة بغداد بالقضية الإريترية؟

في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، كانت بغداد — كما عواصم عربية أخرى — تتبنى خطاب “حركات التحرر الوطني”. إريتريا قُدمت بوصفها شعبًا يناضل ضد الضم القسري. كما أن البعد الجيوسياسي كان حاضرًا: البحر الأحمر ليس بحرًا عابرًا، بل شريانًا استراتيجيًا للأمن العربي، خاصة لمصر والسودان واليمن.

وجود نظام إثيوبي ذي ميول اشتراكية مدعوم سوفيتيًا في مرحلة من المراحل، جعل المسألة جزءًا من توازنات الحرب الباردة. كان القرن الأفريقي ساحة تنافس دولي، وإريتريا إحدى عقده.

هكذا دخل الاسم إلى الراديو العربي، لا بوصفه خبرًا عابرًا، بل بوصفه ملفًا استراتيجيًا.

الاستقلال… وثمن البحر

في 1991 سقط نظام منغستو في أديس أبابا، وتقدمت الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا إلى أسمرة. عام 1993 جرى استفتاء بإشراف الأمم المتحدة، وصوتت الأغلبية الساحقة لصالح الاستقلال.

هنا تغيرت الخريطة.

إثيوبيا، التي كانت تستخدم موانئ مصوع وعصب، أصبحت دولة حبيسة. لم يكن ذلك عقوبة دولية، بل نتيجة مباشرة لاستقلال إقليم ساحلي كامل.

منذ تلك اللحظة، صار البحر الأحمر جزءًا من معادلة أمن قومي إثيوبي، رغم غياب السواحل.

حرب بعد الاستقلال

لم يؤدِّ الاستقلال إلى سلام دائم. بين 1998 و2000 اندلعت حرب حدودية دامية بين البلدين حول مناطق متنازع عليها. آلاف القتلى، وتوتر طويل، واتفاق لاحق لم ينهِ الشكوك.

العلاقة بين أسمرة وأديس أبابا لم تكن علاقة انفصال هادئ، بل انفصال مثقل بذكريات الحرب والهوية والسيادة.

القرن الأفريقي اليوم: عودة الجغرافيا

اليوم، لم تعد المسألة إريترية–إثيوبية فقط. البحر الأحمر يشهد:
• قواعد عسكرية لدول كبرى.
• سباق نفوذ بين قوى إقليمية.
• أهمية متزايدة للممرات البحرية.
• تنافسًا على المعادن والثروات في القرن الأفريقي.

إثيوبيا تبحث عن منفذ بحري مستقر.
إريتريا تملك الساحل وتدير موقعًا حساسًا.
السودان وجيبوتي والصومال جزء من المعادلة.

القضية لم تعد فقط “تحررًا وطنيًا”، بل توازنًا إقليميًا في واحدة من أهم عقد التجارة العالمية.

الحكاية بين الذاكرة والتحليل

عندما يعود صوت مذيعي السبعينات إلى الذاكرة، ندرك أن تلك الكلمات لم تكن عابرة. كانت تعكس لحظة من لحظات إعادة تشكيل النظام الدولي في أطرافه البعيدة.

اليوم، ونحن ننقل أخبار البحر الأحمر، ونتابع تحركات الأساطيل، ونحلل خطوط الإمداد، ندرك أن إريتريا لم تكن يومًا هامشًا. كانت عقدة صامتة في مفصل حساس.

الطفل الذي كان يسمع الاسم دون أن يفهم، أصبح اليوم مطالبًا بفهمه، وتحليله، وربطه بخريطة عالمية أكبر.

هكذا تكتمل الدائرة.

ليست القصة قصة دولتين فقط، بل قصة جغرافيا ترفض أن تكون هامشًا، وتاريخ طويل لم يُحسم بعد.

شارك المقال: