تقارير
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

خبير إعلامي

تقرير: الحرب تنتظر خلف الأبواب

يبدو أن جغرافيا التفاوض قد تجاوزت حدود القاعة لتشمل ممرات الطاقة في الخليج وتلال جنوب لبنان، وسط استنفار عسكريأمريكي غير مسبوق في المنطقة

مشاركة:
حجم الخط:

صراع الإرادات بين “عقيدة الصفقات” و”وحدة الساحات”

إسلام آباد – مراسلو “آخر الكلام” وكالات

في أجواء يسودها التوجس المشوب بانعدام الثقة، انطلقت في العاصمة الباكستانية إسلام آباد الجولة الأولى من المفاوضات

المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران.

وبينما وصفت مصادر باكستانية الجلسة الافتتاحية بأنها كانت “خالية من المجاملات”

يبدو أن جغرافيا التفاوض قد تجاوزت حدود القاعة لتشمل ممرات الطاقة في الخليج وتلال جنوب لبنان، وسط استنفار عسكري

أمريكي غير مسبوق في المنطقة.

تقرير نيو يورك تايمز : اليرنامح النووي وجنوب لبنان تهدد الاتفاق والهدنة

زلزال هرمز (28) تصدع الجغرافيا السياسية

مشروع أمريكا الشمالية الكبري

كواليس الجولة الأولى: صدام “الخرائط” والمسافات الصفرية

داخل “قاعة القائد” بقصر الضيافة الحكومي، وبدلاً من المصافحات التقليدية، تبادل الوفدان “خرائط الرصد الميداني”

كشفت التقارير أن الأدميرال براد كوبر وضع أمام الوفد الإيراني صوراً لمواقع التموضع العسكري في مضيق هرمز، محذراً من أن

“أمن الملاحة هو خط أحمر لا يقبل القسمة”

في المقابل، رد الوفد الإيراني بقيادة محمد باقر قاليباف بعرض صور رصد للجسر الجوي الأمريكي المكثف، متسائلاً عن جدوى

التفاوض في ظل استمرار الحشد العسكري في القواعد المحيطة.

معادلة “تسييل الأزمات”: المليارات القطرية مقابل “أمن الملاحة” القومي

كشفت كواليس الجلسة الافتتاحية عن التوصل إلى ما وصفه المراقبون بـ “اختراق الضرورة”، حيث وافقت واشنطن رسمياً على

تفعيل آلية الإفراج عن 6 مليارات دولار من الأصول الإيرانية التي كانت محتجزة في حسابات بقطر ومصارف أوروبية.

هذا “العربون” المالي لم يكن مجرد إجراء تقني، بل مثّل حجر الزاوية في “عقيدة الصفقات” التي ينتهجها فريق ترامب؛ إذ تم ربط

تحرير هذه السيولة بضمانات إيرانية “فورية وملموسة” لخفض منسوب التوتر في مضيق هرمز وتأمين عبور ناقلات النفط العملاقة

التي ظلت رهينة التهديدات العسكرية طوال الأسابيع الماضية.

خلف هذا الاتفاق، تبرز فجوة هائلة في “فلسفة الأثمان” بين الجانبين:

منظور واشنطن (البيزنس الجيوسياسي):

يرى فريق “فانس-كوشنر” في هذه الخطوة مخرجاً تكتيكياً بارعاً؛ فهي تضمن تهدئة الأسواق النفطية العالمية وكبح جماح التضخم في الداخل الأمريكي،

معتبرين أن الإفراج عن أموال “مملوكة أصلاً لإيران” هو ثمن زهيد مقابل استعادة استقرار الملاحة الدولية دون الانزلاق إلى حرب استنزاف بحرية شاملة.

 منظور طهران (الحقوق المنتزعة):

في المقابل، تتعامل طهران مع هذه الخطوة ببرودٍ دبلوماسي، معتبرة أن تحرير أموالها هو “تصحيح لمسار عدواني” وليس تنازلاً يستحق مكافأة كبرى.

وبالنسبة لـ ناصر همتي والوفد الإيراني، فإن هذه المليارات ليست سوى “الدفعة الأولى” من فاتورة الحقوق الضائعة، وهو ما يفسر إصرار طهران على عدم

تقديم أي تنازلات في الملفات “السيادية” مثل تسليح المقاومة أو تقليص البرنامج النووي مقابل هذا الإجراء المالي.

إن هذا التباين في تقدير “قيمة الصفقة” يحول الاتفاق من تسوية نهائية إلى “هدنة مالية قلقة”؛ حيث تعتبرها واشنطن “نهاية المطاف” لإثبات حسن النوايا،

بينما تراها إيران مجرد “شرط افتتاح” لا يمكن دونه الانتقال إلى جدول أعمال المفاوضات الأكثر تعقيداً في جنوب لبنان.

عقدة “الناقورة – هرمز”: استراتيجية المقاصة الجيوسياسية في جنوب لبنان

لم تكن جبهة جنوب لبنان بالنسبة للمفاوض الإيراني مجرد ملف ثانوي، بل تحولت في “قاعة القائد” بإسلام آباد إلى “قفل الأمان” لكل التفاهمات المقترحة.

لقد نجح الوفد الإيراني، عبر “علي باقري كني” و”إسماعيل أحمدي مقدم”، في وضع واشنطن أمام معادلة صفرية: “لا سيادة للملاحة في الخليج دون سيادة

الهدوء في الجنوب اللبناني”. بهذا الربط العضوي، نقلت طهران الملف من سياقه المحلي إلى سياق “أمن الطاقة العالمي”، معتبرة أن أي محاولة لعزل

المسارات هي محاولة للالتفاف على الواقع الميداني.

كيف فرض المفاوض الإيراني هذا الملف؟

استخدم الوفد الإيراني تكتيك “تلازم المسارات”؛ حيث رفض البدء في تفصيل آليات “المرور الآمن” في مضيق هرمز قبل الحصول على تعهدات واضحة بوقف

التصعيد الإسرائيلي. وضع المفاوض الإيراني جنوب لبنان على رأس القائمة كـ “اختبار نوايا”؛ فإذا كانت واشنطن جادة في وقف “حرب هرمز”، فعليها كبح

جماح تل أبيب في “حرب الشمال”. هذا الإصرار حوّل جنوب لبنان من ورقة ضغط ميدانية إلى “شرط استباقي” لأي توقيع نهائي.

هل تذعن واشنطن وتل أبيب؟ الإجابة تكمن في تضارب المصالح الحالي:

 واشنطن: تبدو إدارة ترامب في حالة “رضوخ تكتيكي”؛ فإلحاح الدوائر الاقتصادية لتأمين النفط يضغط على “جي دي فانس” للقبول بصيغ وسطى تضمن تهدئة

جبهة لبنان، ولو مؤقتاً، لتمرير اتفاق هرمز. واشنطن قد تضغط على تل أبيب للقبول بـ “هدنة تقنية” مقابل ضمان عدم تعرض المصالح الأمريكية لضربات من المحور.
• تل أبيب: في المقابل، تُبدي تل أبيب ممانعة شديدة، وتعتبر الربط الإيراني “فخاً استراتيجياً” يمنح المقاومة فرصة لإعادة

التموضع. إلا أن حاجتها للغطاء الأمريكي ولتعويض مخزونها الصاروخي عبر “الجسر الجوي” قد تجبرها على السير في مسار التهدئة

“مرغمة”، بانتظار لحظة انقضاض قادمة.

“البرق الصامت”: تفاوض تحت فوهات المدافع واختبار “الخطوط الحمراء”

بينما كانت الوفود تتهيأ للجلوس في إسلام آباد، كان الميدان يغلي بمناورة أمريكية “عالية المخاطر” كادت أن تطيح بالطاولة قبل بدئها؛ إذ رصدت الرادارات

الإيرانية محاولة فاشلة لمدمرتين أمريكيتين لعبور مضيق هرمز تحت غطاء “تأمين الملاحة”، وهو ما اعتبره الوفد الإيراني “طعنة استخباراتية” وعملاً استفزازياً

استوجب احتجاجاً شديد اللهجة وتلويحاً بالانسحاب الفوري. هذا الاحتكاك الخشن وضع “قاعة القائد” أمام حقيقة أن واشنطن تُمارس “دبلوماسية البوارج” لإرغام طهران على القبول بالأمر الواقع.

بالتوازي مع هذا التصعيد الميداني، كشفت المعلومات المسربة عن إطلاق البنتاغون لعملية “البرق الصامت” وهي “الخطة ب”

التي تهدف لفرض سيطرة عسكرية قسرية في حال تعثر المسار الدبلوماسي:

الجسر الجوي المرعب:

تحول رادار الملاحة الجوية إلى “خلية نحل” عسكرية؛ حيث تتدفق أضخم طائرات الشحن الأمريكية (C-5M Super Galaxy و C-17) في جسر جوي متواصل

من قواعد “رامشتاين” وأكروتيري”. هذا الحشد لا يستهدف “الدعم” فحسب، بل هو عملية إعادة تذخير استراتيجية شاملة

تضمنت نشر منظومات “ثاد” (THAAD) الدفاعية في دول الخليج لتحصينها ضد أي رد فعل صاروخي إيراني.

فرض “المرور الإجباري”:

تحرك حاملة الطائرات “يو إس إس جيرالد فورد” نحو تخوم بحر العرب ليس مجرد استعراض للقوة، بل هو تمهيد لفرض “ممرات

إجبارية” بقوة السلاح، وهو ما تراه طهران “إعلان حرب مؤجل” ينتظر شرارة الفشل في إسلام آباد.

الإبادة المالية:

بالتوازي مع الحشد العسكري، أعدت وزارة الخزانة قائمة سوداء لـ “جيل ثالث” من العقوبات تستهدف تجفيف ما تبقى من منابع

التمويل الإيراني عبر المصارف الآسيوية، في محاولة لخنق طهران اقتصادياً إذا ما قررت التمسك بقرار إغلاق المضيق.

إن هذا التزامن المريب بين “جزرة” المليارات القطرية و”عصا” المدمرات والجسر الجوي، يضع المفاوض الإيراني أمام “فخ استراتيجي” مكشوف؛ حيث تحاول

واشنطن انتزاع “صك استسلام ملاحي” تحت تهديد السلاح، وهو ما رد عليه قاليباف بوضوح: “نحن نفاوض الأنداد.. ولا نخشى الأساطيل”.

الموقف الباكستاني: الوساطة فوق “حافة الهاوية”

أكد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن بلاده تبذل قصارى جهدها لمنع الانهيار، محذراً من أن فشل هذه الجولة يعني انزلاق

المنطقة نحو “حرب شاملة”. وتلعب إسلام آباد دور “الضامن التقني” الذي يراقب تنفيذ بنود الملاحة مقابل وصول الأموال، وسط

تنسيق عالي المستوى مع بكين التي تتابع مصير “طريق الحرير” البحري بقلق بالغ.

يبقى السؤال المعلق فوق تلال إسلام آباد: هل تنجح “دبلوماسية المليارات” في شراء وقت إضافي للسلام، أم أن الجسر الجوي

الأمريكي يشحن وقوداً لجولة صراع ستكون الأعنف في تاريخ الشرق الأوسط؟ النتيجة، كما قال ترامب، قد تتضح خلال 24 ساعة قادمة.

شارك المقال: