مقالات
د. أيمن خالد
د. أيمن خالد

باحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي

تشكيل الشرق الأوسط تحت النار (2-2)

تعتمد إيران على استراتيجية مختلفة تقوم على توزيع كلفة الحرب على أكثر من ساحة. فهي لا تكتفي بالرد على إسرائيل، بل تسعى إلى توسيع نطاق الضغط ليشمل القواعد الأميركية في المنطقة

مشاركة:
حجم الخط:

ماذا تريد واشنطن والكيان المحتل؟

في المقابل، لم يعد الهدف الأميركي–الإسرائيلي مقتصرًا على البرنامج النووي الإيراني. فالحرب الحالية تبدو أوسع بكثير، إذ تهدف إلى تفكيك القدرات الصاروخية الإيرانية وكسر شبكة نفوذها الإقليمية، وربما إعادة تشكيل النظام السياسي في طهران أو إضعافه إلى حد كبير.

غير أن هذا الهدف يواجه معضلة استراتيجية. فالحرب الجوية، مهما كانت كثيفة، لا تضمن إنتاج بديل سياسي منظم داخل إيران. بل قد تفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيدًا، مثل الفوضى الداخلية أو صعود قوى أكثر تشددًا.

 الاستراتيجية الإيرانية… توزيع الكلفة

في مواجهة ذلك، تعتمد إيران على استراتيجية مختلفة تقوم على توزيع كلفة الحرب على أكثر من ساحة. فهي لا تكتفي بالرد على إسرائيل، بل تسعى إلى توسيع نطاق الضغط ليشمل القواعد الأميركية في المنطقة، والخليج، وربما الممرات البحرية والطاقة.

هذه الاستراتيجية تستند إلى خبرة طويلة لدى إيران في الحرب غير المتكافئة، حيث تراهن على أن إطالة أمد الصراع يمكن أن يخلق ضغوطًا سياسية واقتصادية على خصومها.

الكيان الإسرائيلي بين الإنجاز العسكري والمأزق الاستراتيجي

بالنسبة لإسرائيل، فإن الضربات الحالية تمثل إنجازًا عسكريًا واضحًا، إذ نجحت في نقل الحرب إلى قلب إيران واستهداف قيادتها وبنيتها العسكرية. غير أن هذا النجاح لا يعني بالضرورة حسم الحرب سياسيًا.

فاستمرار الرد الإيراني بالصواريخ والمسيّرات يعني أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية ما زالت تحت الضغط، وأن كل يوم إضافي من الحرب يحمل كلفة اقتصادية ونفسية وسياسية متزايدة.

مواقف القوى الدولية

على المستوى الدولي، دعت روسيا إلى وقف فوري للأعمال القتالية، في حين تحاول الصين الحفاظ على موقف متوازن يدعو إلى التهدئة. أما أوروبا، فتبدو مواقفها أكثر انقسامًا، إذ تعارض بعض الدول الأوروبية اتساع الحرب وتخشى تداعياتها على الطاقة والاقتصاد العالمي.

هذا التباين الدولي يعكس أن الحرب الحالية لم تتحول بعد إلى مواجهة عالمية شاملة، لكنها بالتأكيد تحمل أبعادًا دولية تتجاوز الإطار الإقليمي.

 إلى أين يتجه الصراع؟

في ضوء هذه المعطيات، تبدو ثلاثة سيناريوهات رئيسية محتملة لمسار الحرب الأول هو استمرار القتال لأسابيع في إطار حملة جوية وضربات صاروخية متبادلة من دون حسم سريع. والثاني هو اتساع الحرب إقليميًا إذا تعرضت منشآت الطاقة أو القواعد الأميركية لضربات كبيرة. أما السيناريو الثالث فيتمثل في ضغط عسكري يقود إلى مفاوضات قاسية بين الأطراف المتحاربة.

خاتمة

في النهاية، يمكن القول إن الحرب الدائرة اليوم لم تعد مجرد مواجهة حول البرنامج النووي الإيراني، بل أصبحت معركة على شكل الدولة الإيرانية وعلى ميزان الردع في الخليج وعلى من يتحكم بعقد الطاقة والتجارة في الشرق الأوسط.

فالولايات المتحدة وإسرائيل انتقلتا من “الضربة” إلى “الحملة”، بينما تحاول إيران نقل كلفة الحرب إلى خصومها الإقليميين والدوليين. أما دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، فتسعى إلى حماية أمنها ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة.

وبين هذه الحسابات المتشابكة، يبدو أن الشرق الأوسط يقف أمام لحظة تاريخية قد تعيد رسم موازين القوى فيه لعقود قادمة.

شارك المقال: