لماذا يتجاهل المستثمرون خطر التضخم الناجم عن الصراع مع إيران؟
تحليل اقتصادي معمّق حول تداعيات الحرب مع إيران على المستثمرين في ظل ارتفاع الديون السيادية وتصاعد العجز المالي العالمي وخطر الركود التضخمي

في تحليل اقتصادي قام به جون بلندر في صحيفة فايننشال تايمز يُحذّر خبراء الاقتصاد من أن استمرار الحرب مع إيران في ظل مستويات دين عام قياسية وعجز مالي متصاعد قد يُفضي إلى موجة تضخمية عالمية غير مسبوقة، في حين تواصل أسواق النفط هدوءها النسبي رغم حدة التوترات الجيوسياسية.
أسواق النفط في مواجهة صدمة غير مألوفة
تُلقي الحرب المشتعلة مع إيران بظلالها الثقيلة على المشهد الاستثماري العالمي، مثيرةً موجةً من القلق لدى المستثمرين الذين يواجهون بالفعل تراكماً من الأزمات المتشابكة؛ بدءاً من الجائحة التي أربكت سلاسل الإمداد العالمية، مروراً بالرسوم الجمركية الأمريكية التي أعادت رسم خارطة التجارة الدولية، وليس انتهاءً بالحرب الروسية الأوكرانية التي زعزعت أسس الأمن الطاقوي الأوروبي.
غير أن المفارقة اللافتة تكمن في أن أسواق النفط أبدت حتى الآن رد فعل خافتاً لا يتناسب مع حجم الاضطراب الجيوسياسي؛ إذ لم تقترب أسعار الخام من مستوياتها القياسية التي بلغت نحو 128 دولاراً للبرميل في عام 2022، كما أن مخاوف التضخم لم تبلغ بعد مستوى الإنذار في الأسواق المالية.
سؤال الساعة: هل يتجاهل المستثمرون خطر الركود التضخمي؟
يُجيب المحللون الاقتصاديون بـ”نعم” صريحة، مستندين إلى حقيقة جوهرية مفادها أن تداعيات أي صدمة في إمدادات النفط على الاقتصاد العالمي اليوم تختلف جذرياً عن تلك التي شهدها العالم في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. ومردّ ذلك إلى متغيّرَين هيكليَّين راسخَين باتا يُشكّلان الخلفية الاقتصادية الراهنة.
المتغير الأول: ديون سيادية عند حافة الهاوية
تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الديون السيادية العالمية ماضية نحو تجاوز عتبة 100 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية العقد الجاري، وهو مستوى لم تشهده الاقتصادات الكبرى في أوقات السلم على مرّ التاريخ.
والمثال الأكثر دلالة هو الولايات المتحدة؛ إذ باتت الحكومة الفيدرالية الأمريكية تُنفق على فوائد خدمة الدين أكثر مما تُنفقه على الدفاع والبنود غير الدفاعية مجتمعة، في مؤشر صارخ على عمق الاختلال المالي. ولا يختلف الحال كثيراً في كبريات الاقتصادات المتقدمة الأخرى التي تواجه معادلة مالية شبيهة.
المتغير الثاني: الميل البنيوي نحو العجز المالي
يرصد المحللون ظاهرة لافتة تتجلى في تحوّل الحكومات الغربية نحو نهج ممنهج في زيادة الإنفاق العام وخفض الضرائب في آنٍ واحد، بصرف النظر عن الموقع الراهن للاقتصاد في دورته سواء أكان في طور انتعاش أم ركود. وهذا الميل البنيوي نحو العجز يُفاقم المخاطر المالية في ظل بيئة متسمة بتباطؤ النمو وتصاعد حدة التنافس الجيوسياسي.
معادلة «البنادق والزبدة»: التسلح لا يُلغي الرفاه
تكشف دراسة اقتصادية حديثة عن نمط متكرر يُميّز المجتمعات التي تنتهج سياسة تعزيز قدراتها العسكرية؛ إذ تميل هذه الدول إلى اتباع ما يُعرف بـ«سياسة البنادق والزبدة»، أي السعي إلى تحقيق معادلة مزدوجة تجمع بين رفع الإنفاق الدفاعي والحفاظ في الوقت ذاته على منظومة الرعاية الاجتماعية بكامل مكوناتها.
وخلصت الدراسة إلى أن الصدمات الجيوسياسية الكبرى، سواء في فترات الحرب أو السلم المضطرب، تدفع بصورة شبه حتمية إلى تصاعد مستمر في الإنفاق الحكومي، مما يُغذّي الدوّامة المالية ويُعمّق حدة العجز.
التضخم: الخطر الصامت القادم
في المحصلة، يُجمع المحللون على أنه رغم بقاء مدة الحرب مع إيران وانعكاساتها المباشرة على أسواق الطاقة مثاراً للجدل وعدم اليقين، فإن ثمة معطيَين موضوعيَّين راسخَين لا يحتملان الجدل: الارتفاع القياسي في مستويات الدين العام العالمي، والميل المتعاظم نحو العجز المالي الهيكلي. وكلاهما يُرجّح الاحتمالات التضخمية في أفق الاقتصاد العالمي، بما يُلزم المستثمرين بإعادة تقييم حساباتهم بعيداً عن التفاؤل المبالغ فيه.
رابط المقال المختصر:





