البشير عبيد يكتب: حين تتحوّل الزنازين إلى المعركة الأخيرة

من وحي معاناة الأسرى في سجون الأحتلال
الأسرى الفلسطينيون
لا يمكن التعامل مع القرار القاضي بإمكانية إعدام الأسرى الفلسطينيين بوصفه تفصيلًا قانونيًا معزولًا أو خطوة تقنية داخل بنية الصراع.
بل باعتباره علامة فارقة على مستوى التحوّل في طبيعة التفكير السياسي والأمني لدى منظومة الاحتلال، من إدارة الصراع إلى إعادة إنتاجه في أكثر أشكاله تطرفًا واندفاعًا نحو العنف العاري.
جوهر العلاقة بين القوة والمعنى
فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بمصير مئات أو آلاف الأسرى داخل السجون، بل تتصل بجوهر العلاقة بين القوة والمعنى، بين السلطة والجسد.
بين الرواية التي تريد فرض نفسها بالقهر والرواية التي تُقاوم حتى داخل الجدران المغلقة.
الحركة الأسيرة الفلسطينية، منذ نشأتها، لم تكن هامشًا في المشهد الوطني، بل كانت في قلبه تمامًا، باعتبارها إحدى أكثر التجارب كثافة في تحويل السجن إلى مختبر للهوية الوطنية وإعادة إنتاج الوعي الجمعي.
الإسير ليس رقما في سجل
داخل الزنازين، لم يكن الأسير مجرد رقم في سجل الاعتقال، بل كان ذاتًا تُعاد صياغتها في مواجهة محاولة مستمرة لتجريده من اسمه وتاريخه وامتداده الاجتماعي والسياسي.
ومن هنا، فإن استهداف هذه الفئة تحديدًا عبر تشريعات أو سياسات تسمح بالإعدام لا يعكس فقط تصعيدًا في أدوات القمع.
إسرائيل تتوقع تصعيدًا صاروخيًا مع انتهاء المهلة
تصعيد عسكري غير مسبوق في إيران
تقرير نيويورك تايمز: الإيرانيون يتحدون ترامب
تطورات الحرب على إيران لحظة بلحظة
الأسرى هم الخزان الرمزي للقضية
بل يكشف إدراكًا عميقًا لدى بنية الاحتلال بأن هذه الفئة تمثل الخزان الرمزي الأكثر خطورة، لأنها لا تقاتل بالسلاح فقط، بل بالمعنى، وبالقدرة على تحويل الألم إلى خطاب، والزمن المعلّق إلى ذاكرة مقاومة لا تنطفئ.
إن ما يجري، في جوهره، هو محاولة لإعادة تعريف الأسير من كونه حامل قضية إلى كونه جسدًا فائضًا عن الحاجة يمكن التخلص منه، وهي النقطة التي ينكشف عندها الحدّ الأقصى لانحدار المنظومة من خطاب القانون إلى منطق الإبادة.
في هذا السياق، يتخذ القرار بعدًا يتجاوز الإطار القانوني أو الإجرائي ليصبح جزءًا من تحوّل بنيوي في علاقة القوة بالإنسان.
الحدود الفاصلة بين العقوبة والتصفية
حيث تتراجع الحدود الفاصلة بين الردع والإلغاء، وبين العقوبة والتصفية، وبين السياسة كإدارة للتناقضات والسياسة كإنتاج مباشر للموت.
فحين يتحول الأسير إلى هدف محتمل للإعدام، فإن ذلك يعني عمليًا انهيار كل الادعاءات المرتبطة بوجود منظومة قانونية أو أخلاقية ضابطة، لصالح منطق القوة المطلقة الذي لا يعترف بأي سقف خارج ذاته.
فشل متراكم في إخضاع مجتمع بأكمله
غير أن هذا الانحدار في العنف لا يمكن فهمه خارج سياق الفشل المتراكم في إخضاع مجتمع بأكمله رغم عقود من الحصار والاعتقال والتدمير الممنهج.
فالحركة الأسيرة الفلسطينية لم تُهزم داخل السجن، بل أعادت تشكيل السجن نفسه كفضاء مقاوم، عبر بناء أنماط من التنظيم الداخلي، وإنتاج ثقافة تضامن، وصياغة وعي جمعي جعل من الزنزانة مساحة لإعادة التفكير في معنى الحرية لا فقدانها.

ليست تفاصيل إنسانية بل إنتاجا للمعنى
الإضرابات الطويلة عن الطعام، المواجهات اليومية مع شروط العزل، محاولات فرض الانضباط الجماعي داخل ظروف قهرية، كلها لم تكن مجرد تفاصيل إنسانية، بل كانت تعبيرًا عن قدرة غير متوقعة على تحويل أقصى درجات السيطرة إلى مساحة لإنتاج المعنى المضاد.
ومن هنا، فإن استهداف هذه التجربة عبر منطق الإعدام لا يعكس قوة مفرطة بقدر ما يعكس قلقًا عميقًا من بقاء هذه البؤرة حيّة داخل منظومة يفترض أنها تسعى إلى الإخضاع الكامل.
الزنزانة ساحة رمزية
إن الزنزانة، في هذا السياق، لم تعد مكانًا للعقاب فقط، بل أصبحت ساحة رمزية تتقاطع فيها أسئلة القانون والأخلاق والذاكرة والهوية.
وهو ما يجعلها أكثر خطورة من أي مواجهة عسكرية تقليدية، لأنها لا تشتبك مع الجسد فقط، بل مع الرواية التي يمنحها هذا الجسد لمعناه.
ومع اتساع هذا المشهد، يتكشف أيضًا وجه آخر لا يقل أهمية، يتمثل في طبيعة الخطاب الدولي الذي يُفترض أنه قائم على حماية حقوق الإنسان، لكنه في الواقع يبدو عاجزًا عن تجاوز حدود الانتقائية التي تحكمه منذ عقود.
سؤال العدالة
فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بقرار أو إجراء بعينه، بل بمصداقية منظومة كاملة تُختبر في كل مرة يُطرح فيها سؤال العدالة خارج موازين القوة.
إن الصمت، أو الاكتفاء ببيانات التنديد الباهتة، أو تحويل الانتهاكات إلى موضوع قابل للإدارة السياسية، كلها مؤشرات على أزمة أعمق تتعلق بقدرة هذا الخطاب على التماسك أمام حالات الانكشاف القصوى.

الحركة الأسيرة تواصل إنتاج معناها الخاص
وفي المقابل، تواصل الحركة الأسيرة الفلسطينية، رغم كل هذا الثقل، إنتاج معناها الخاص بعيدًا عن اعتبارات الاعتراف الخارجي.
باعتبارها جزءًا من تجربة تاريخية طويلة لا تُقاس فقط بعدد الأسرى أو سنوات الاعتقال، بل بقدرة هذه التجربة على إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والقيد، بين الزمن والانتظار، بين الألم والمعنى.
السجون مرآة مكثفة لصراع الحقيقة
فالسجن، في هذا السياق، لا يُختزل في كونه مكانًا للإقصاء، بل يتحول إلى مرآة مكثفة لصراع أوسع من حدود الجدران، صراع على من يملك حق تعريف الحقيقة ذاتها.
ولذلك، فإن أي محاولة لتحويل هذا الفضاء إلى فضاء للإعدام لا تؤدي فقط إلى تعميق المأساة.
ملامح معركة لا تزال مفتوحة
بل تفتح أيضًا سؤالًا أكثر جذرية: هل يمكن لمنظومة تعتمد على نفي الآخر أن تنتج في النهاية سوى المزيد من انكشاف هشاشتها أمام التاريخ؟
وفي هذا السؤال تحديدًا، تتحدد ملامح المعركة التي لا تزال مفتوحة، حيث لا تنتهي الحكاية عند حدود الزنزانة، بل تبدأ منها من جديد في كل مرة يُراد لها أن تُغلق.






