مقالات
محمد زكي
محمد زكي

كاتب صحفي

أوهام الحسم

حرب بلا نهاية: تحول الجدول الزمني لترامب من "أيام" إلى "أسابيع قد تطول"، والحديث عن تدخل بري يعني الدخول في جغرافيا جبلية إيرانية معقدة تحول أي قوة نظامية إلى هدف لحرب عصابات لا تنتهي

مشاركة:
حجم الخط:

سقوط “أوهام الحسم”: حين تتحول القلاع إلى أهداف والحرب الخاطفة إلى استنزاف
مع اندلاع الحرب الصهيو أمريكية على إيران دخلت المنطقة في نفقٍ مظلم تجاوز كل التوقعات التي سبقت محادثات جنيف الفاشلة. لم يعد الحديث عن “عواقب عدم الاتفاق”، بل عن “عواقب حرب شاملة” أعادت تعريف موازين القوى بين واشنطن وطهران.

1. القواعد الأمريكية: من قلاع حصينة إلى “أهداف ثابتة”

لطالما نُظر إلى القواعد الأمريكية في المنطقة كأدوات ردع لا تُقهر. لكن تحولت هذه القواعد إلى ثغرات قاتلة:

فخ القرب الجغرافي: أثبتت الرشقات الصاروخية الإيرانية أن الوجود المكثف للجنود والمعدات في قواعد مثل “العديد” و”الظفرة” جعل منها أهدافاً سهلة للاستنزاف. فبينما يكلف صاروخ الدفاع الجوي ملايين الدولارات، تنهكه إيران بمسيرات وصواريخ “فتاح” الفرط صوتية التي تخترق الأجواء بتكلفة زهيدة.

المدن العائمة في خطر: تراجع حاملات الطائرات إلى مسافات بعيدة في بحر العرب يعكس إدراكاً أمريكياً متأخراً بأن هذه القلاع البحرية باتت “رهائن” لصواريخ بر-بحر الإيرانية، مما حد من قدرتها الهجومية.
الهجمات الصاروخية الإيرانية (عملية “الوعد الصادق 4”) كشفت عن حقيقة مرة للبنتاغون:

فشل “الدرع المثالي”: رغم تكنولوجيا الاعتراض المتقدمة، نجحت المسيرات الانتحارية وصواريخ “فتاح” الفرط صوتية في اختراق الدفاعات الجوية، محولة هذه القواعد المكتظة بالجنود والمعدات إلى “صيد سهل” بسبب قربها الجغرافي من السواحل الإيرانية.

2. اغتيال المرشد.. “الصدمة” التي لم توقف “المحرك”

بنى ترامب استراتيجيته على فرضية أن “قطع رأس الهرم” (اغتيال المرشد) سيؤدي لانهيار النظام أو استسلامه الفوري. لكن الواقع جاء مغايراً:

تماسك “الدولة العميقة”: أظهر الحرس الثوري والمجلس الأعلى للأمن القومي تماسكاً أكبر من المتوقع، حيث تم تفعيل بروتوكولات القيادة البديلة فوراً. وبدلاً من الانهيار، تحول الاغتيال إلى وقود لـ “تعبئة قومية” صهرت الخلافات الداخلية مؤقتاً تحت شعار “الدفاع عن الوطن”.

خطأ التقدير الاستخباراتي: راهن ترامب على ثورة المعارضين فور غياب المرشد، لكن التماسك الأيديولوجي لنواة النظام الصلبة منعت حدوث الانفجار الداخلي المنشود، بل وحولت الغضب الشعبي نحو “العدوان الخارجي”.

3. مصيدة “الهجوم البري”: ترامب والعودة للسيناريو الكابوس

بعد أن كان ترامب يعد ناخبيه بإنهاء “الحروب الأبدية”، ها هو يتحدث عن احتمال لإرسال “قوات برية” بعد أن فشلت الحملة الجوية في تحقيق الحسم.

حرب بلا نهاية: تحول الجدول الزمني لترامب من “أيام” إلى “أسابيع قد تطول”، والحديث عن تدخل بري يعني الدخول في جغرافيا جبلية إيرانية معقدة تحول أي قوة نظامية إلى هدف لحرب عصابات لا تنتهي.

المأزق السياسي: هذا التحول يضع ترامب في مواجهة مباشرة مع وعوده بـ “أمريكا أولاً”، ويفتح الباب أمام استنزاف بشري ومادي لم يكن في حسابات البيت الأبيض عند بدء العملية.

سقوط الطائرات والأرواح: اعترفت القيادة المركزية الأمريكية بـ مقتل 6 جنود أمريكيين في هجوم طال منشآت حيوية في الكويت، تزامناً مع سقوط 4 طائرات مقاتلة (3 طائرات F-15 تقول أميركا أنها سقطت بنيران “صديقة” عن طريق الخطأ أثناء الفوضى الجوية، وطائرة رابعة أعلن الحرس الثوري مسؤولية إسقاطها). هذا الاعتراف يمثل صدمة لآلة الحرب الأمريكية التي لم تعتد خسائر بهذا الحجم في أيام معدودة.

تراجع “إبراهام لنكولن”: في تطور استراتيجي خطير، رصدت الرادارات الإيرانية موقع حاملة الطائرات “إبراهام لنكولن” وتم استهدافها بـ 4 صواريخ باليستية. ورغم نفي البنتاغون لإصابتها المباشرة، إلا أن تراجع الحاملة بعيداً عن السواحل واضطرارها لتغيير تموضعها يعكس نجاحاً إيرانياً في “كسر هيبة” المدن العائمة وتحويلها من أداة هجومية إلى هدف يسعى للاحتماء.

4. المقامرة الإسرائيلية: استراتيجية “الأرض المحروقة” وتوريط الجيران

بينما يغرق البيت الأبيض في صدمة الخسائر البشرية وسقوط الطائرات، تبدو تل أبيب مصممة على دفع المواجهة نحو “نقطة اللاعودة” عبر مسارات تصعيدية مدروسة:

ضرب “أرامكو” والجرّ الخليجي: رصدت محاولات إسرائيلية لشن ضربات “تحت علم مستعار” (False Flag) تستهدف منشآت حيوية مثل “أرامكو” في السعودية، بهدف إلصاق التهمة بطهران. الغرض من هذه المناورة هو إجبار دول الخليج على التخلي عن موقف “الحياد الحذر” والدخول كطرف مباشر في الحرب، مما يمنح إسرائيل والولايات المتحدة “شرعية إقليمية” أوسع لضرب العمق الإيراني، ويوزع عبء الرد الصاروخي الإيراني على عواصم متعددة بدلاً من تركيزه على تل أبيب.

توسيع الجبهات (لبنان والساحات المفتوحة): الدخول المفاجئ لحزب الله في المعركة بإطلاق صواريخ على مستوطنات الشمال الصهيوني عجل بفتح الجبهة اللبنانية المؤجلة وربما أحدث إرباكا في الأجندة الصهيونية بالتبكير بهذه المواجهة

التعتيم وسرية “الخسائر”: في مقابل الإعلان الإيراني عن حجم الرشقات الصاروخية التي استهدفت مطارات ومنشآت استراتيجية إسرائيلية، تمارس تل أبيب رقابة عسكرية صارمة وتعتيماً كاملاً على حجم الأضرار البشرية والمادية. هذا التعتيم يهدف للحفاظ على الروح المعنوية للجبهة الداخلية ومنع إيران من تقييم دقة إصاباتها.

5. “الدعم الصيني”: كسر العزلة وتحويل الصراع إلى صدام عالمي

بينما كانت واشنطن تراهن على خنق طهران اقتصادياً وعسكرياً بعد اغتيال المرشد، جاء الإعلان المفاجئ من بكين عن دعم استراتيجي وسياسي “غير محدود” لإيران ليشكل الضربة الأقسى لاستراتيجية ترامب:

المظلة السياسية والمادية: لم تكتفِ الصين بالتنديد الدبلوماسي، بل أعلنت عن تفعيل “اتفاقية التعاون الاستراتيجي لـ25 عاماً” بشكل طارئ، مؤكدة أن أمن الطاقة الإيراني هو جزء من الأمن القومي الصيني. هذا الإعلان يعني توفير متنفس للنظام الإيراني، مما جعل فكرة الانهيار الداخلي الإيراني بعيدة المنال.

التعاون الاستخباراتي والتقني: رصدت دوائر البنتاغون “تطوراً مريباً” في دقة الصواريخ الإيرانية التي استهدفت حاملة الطائرات “لنكولن”، وسط تسريبات تشير إلى تزويد بكين لطهران ببيانات أقمار صناعية وتكنولوجيا تشويش متطورة عطلت جزئياً الرادارات الأمريكية. هذا الدعم التقني حوّل إيران من “قوة إقليمية” إلى “رأس حربة” لمواجهة صينية-أمريكية أوسع.

الصين تدعو جميع الأطراف إلى وقف العمليات العسكرية فورا ومنع اتساع رقعة الصراع، عقب الهجمات التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران وردود طهران عليها.

الرسالة الصينية لترامب

بكين أوصلت رسالة مفادها أنها لن تسمح بسقوط طهران وتغيير خريطة الشرق الأوسط بالقوة البرية. هذا الموقف أحرج إدارة ترامب، التي تجد نفسها الآن أمام خطر الانزلاق لمواجهة غير مباشرة مع القوة العظمى الثانية في العالم، وهو ما ضاعف من حالة الهلع في الأسواق العالمية.

بين “الاندفاع الإسرائيلي” و”الاستنزاف الإيراني” يجد ترامب نفسه الآن أمام معضلة معقدة؛ فبينما يطالب صقور تل أبيب بـ “سحق” إيران برياً ويهيئون الأجواء لتوريط الخليج، يواجه هو بدايات ضغطاً شعبياً في واشنطن مع بداية وصول التوابيت واستهداف “لنكولن” ودعم الصين.
إسرائيل ترى في هذه الحرب “فرصة وجودية” لها، بينما قد تراها واشنطن “ثقباً أسود” يمكن أن يبتلع ما تبقى من هيبتها العالمية واقتصادها المترنح تحت وطأة برميل نفط يتجه نحو 100 دولار.

شارك المقال: