تقارير

الطاقة النووية في الشرق الأوسط: بين وعود التنمية ومخاطر الجغرافيا السياسية

تشهد الطاقة النووية عودة قوية في الشرق الأوسط مع اتجاه دول مثل الإمارات ومصر لتطوير مشاريع نووية بهدف تعزيز أمن الطاقة وتقليل الانبعاثات، وسط مخاوف تتعلق بالأمن الإقليمي والتغير المناخي.

مشاركة:
حجم الخط:

تقرير تحليلي منشور من قبل الأمم المتحدة

في وقت يشهد فيه العالم ارتفاعاً متسارعاً في الطلب على الكهرباء، تعود الطاقة النووية إلى واجهة النقاش العالمي

 باعتبارها أحد الخيارات القادرة على توفير إمدادات مستقرة ومنخفضة الانبعاثات الكربونية.

وفي الشرق الأوسط، تتجه عدة دول إلى تطوير برامج نووية مدنية، وسط رهانات مرتبطة بأمن الطاقة والتنمية الاقتصادية،

مقابل مخاوف متزايدة تتعلق بالأمن الإقليمي والتغير المناخي.

وبينما تسعى حكومات المنطقة إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، يبرز سؤال محوري:

هل تمثل الطاقة النووية حلاً عملياً لمستقبل الطاقة في الشرق الأوسط، أم أنها استثمار طويل الأمد محفوف بالمخاطر؟

فورين أفيرز: الحوافز الدبلوماسية هي الحل الواقعي للأزمة النووية الإيرانية

الطاقة النووية تعود إلى الواجهة العالمية

شهد قطاع الطاقة النووية تراجعاً ملحوظاً عقب كارثة فوكوشيما في اليابان عام 2011،

إلا أن السنوات الأخيرة أعادت هذا الملف إلى دائرة الاهتمام الدولي، خصوصاً مع تصاعد الضغوط المرتبطة

بتغير المناخ والحاجة إلى خفض الانبعاثات الكربونية.

وخلال مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ لعام 2023، جرى الاعتراف رسمياً بالطاقة النووية بوصفها تكنولوجيا منخفضة الانبعاثات

 ينبغي التوسع فيها لتسريع التحول نحو الطاقة النظيفة.

وفي هذا السياق، أيدت 33 دولة خطة تهدف إلى مضاعفة القدرة الإنتاجية للطاقة النووية ثلاث مرات بحلول عام 2050،

من بينها دولة الإمارات العربية المتحدة التي توفر محطة براكة النووية نحو 25% من احتياجات البلاد من الكهرباء.

ووفقاً للبيانات الدولية، يعمل حالياً 416 مفاعلاً نووياً في 31 دولة، تؤمن قرابة 10% من كهرباء العالم،

 فيما يجري بناء عشرات المفاعلات الجديدة، إلى جانب اهتمام متزايد بالمفاعلات النووية الصغيرة المعيارية.

حرب إيران ومستقبل الانتشار النووي

الشرق الأوسط يبحث عن مصادر طاقة مستقرة

يرى خبراء الطاقة أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تواجه تحديات متزايدة في قطاع الكهرباء،

مع النمو السكاني السريع والتوسع الصناعي والاعتماد المتزايد على تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ويقول المنتصر البلوي، الباحث في معهد الأمم المتحدة لبحوث نزع السلاح (UNIDIR)،

 إن الطلب على الطاقة في المنطقة تضاعف ثلاث مرات بين عامي 2000 و2024، مرجحاً استمرار هذا الارتفاع خلال العقود المقبلة.

كما يشير إلى أن الظروف المناخية القاسية، والحاجة المتزايدة إلى تحلية المياه وأنظمة التبريد،

تجعل الاعتماد على مصادر طاقة مستقرة أمراً استراتيجياً بالنسبة لدول المنطقة.

تقرير نيو يورك تايمز : اليرنامح النووي وجنوب لبنان تهدد الاتفاق والهدنة

مصر والإمارات.. مشاريع نووية ضمن خطط التحول الطاقوي

برزت دولة الإمارات كنموذج إقليمي في تطوير الطاقة النووية عبر محطة براكة،

فيما تمضي مصر بخطوات متقدمة نحو استكمال محطة الضبعة النووية بقدرة إنتاجية تصل إلى 4800 ميغاواط.

وتعتبر القاهرة المشروع جزءاً من استراتيجية وطنية تستهدف بناء نظام طاقة مستقر ومتوازن،

 إلى جانب تعزيز قدرة البلاد على تصدير الكهرباء النظيفة إلى الأسواق الإقليمية.

وفي الوقت نفسه، تواصل مصر الاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة، مثل مجمع بنبان للطاقة الشمسية ومزارع الرياح في خليج السويس،

ضمن توجه يهدف إلى تنويع مزيج الطاقة وتقليل الانبعاثات.

المخاوف الأمنية تفرض نفسها على مستقبل الطاقة النووية

ورغم الفوائد الاقتصادية والبيئية المحتملة، تظل البيئة الجيوسياسية في الشرق الأوسط واحدة من أبرز التحديات أمام التوسع في الطاقة النووية.

ويحذر البروفيسور ضياء ميان، الباحث في جامعة برينستون والمدير المشارك لبرنامج العلوم والأمن العالمي،

 من تجاهل البعد الزمني طويل الأمد للمشاريع النووية، موضحاً أن دورة حياة أي محطة نووية قد تمتد إلى نحو 75 عاماً بين البناء والتشغيل والتفكيك.

ويطرح ميان تساؤلات حول قدرة المنطقة على الحفاظ على الاستقرار السياسي والأمني خلال هذه العقود الطويلة،

مستحضراً سلسلة الحروب والصراعات التي شهدها الشرق الأوسط خلال العقود الماضية،

 من الحروب العربية الإسرائيلية إلى الحرب العراقية الإيرانية والحروب الأميركية في العراق، وصولاً إلى الأزمة السورية.

ويرى أن أي تقييم واقعي للطاقة النووية يجب أن يأخذ في الاعتبار احتمالات التصعيد العسكري وعدم الاستقرار الإقليمي

 وتأثيرها المباشر على أمن المنشآت النووية.

التغير المناخي يضيف تحديات جديدة

إلى جانب الاعتبارات السياسية والأمنية، تواجه مشاريع الطاقة النووية تحديات بيئية متزايدة في منطقة تعد من أكثر

مناطق العالم تأثراً بارتفاع درجات الحرارة.

وبحسب تقرير المنظمة العالمية للأرصاد الجوية لعام 2024، ترتفع حرارة الشرق الأوسط بوتيرة تقارب ضعف المتوسط العالمي،

مع توقعات بزيادة قد تصل إلى خمس درجات مئوية بحلول نهاية القرن الحالي.

ويؤكد خبراء أن محطات الطاقة النووية تعتمد بشكل أساسي على كميات ضخمة من المياه لأغراض التبريد،

ما يجعل ارتفاع درجات الحرارة ونقص المياه عاملين مؤثرين على كفاءة التشغيل.

وفي هذا الإطار، يشير البروفيسور ضياء ميان إلى أن بعض المحطات النووية في فرنسا تضطر إلى تقليص عملياتها أو إيقافها

خلال فترات الصيف بسبب ارتفاع درجات الحرارة الخارجية وزيادة الطلب على الكهرباء.

هل الطاقة المتجددة أكثر جدوى؟

في المقابل، يرى منتقدو التوسع النووي أن مصادر الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح،

توفر حلولاً أسرع وأقل تكلفة مقارنة بالمشاريع النووية التي تستغرق سنوات طويلة قبل بدء التشغيل.

ويعتبر ميان أن الاستثمار في الطاقة المتجددة يمنح نتائج أسرع من حيث خفض الانبعاثات وتحقيق العوائد الاقتصادية،

مشيراً إلى أن فكرة “النهضة النووية” تتكرر منذ عقود دون أن تحقق التحول الموعود.

كما يشدد على أن مستقبل الطاقة لا يعتمد فقط على التكنولوجيا، بل يرتبط أيضاً بعوامل السياسة والاستقرار والقدرة على

إدارة الموارد والتحديات المناخية.

مستقبل الطاقة في الشرق الأوسط بين الواقعية والطموح

في ظل التحولات العالمية المتسارعة، يبدو أن دول الشرق الأوسط تتجه إلى تبني مزيج متنوع من مصادر الطاقة

 يجمع بين الطاقة النووية والمتجددة، سعياً لتحقيق أمن الطاقة وتقليل الانبعاثات الكربونية.

ومع ذلك، يبقى نجاح هذه الاستراتيجية مرهوناً بقدرة المنطقة على التعامل مع تحديات الأمن الإقليمي، والتغير المناخي،

والاستثمارات الضخمة المطلوبة لتطوير البنية التحتية النووية.

وفي النهاية، لا يتعلق الجدل حول الطاقة النووية في الشرق الأوسط بالتكنولوجيا وحدها، بل

بمستقبل الاستقرار والتنمية في منطقة لا تزال تعيش على وقع التحولات الجيوسياسية الكبرى.

​​​​​

شارك المقال: